إسرائيل ترفع جاهزيتها لحرب جديدة مع إيران.. هل اقتربت ساعة الصفر؟
تدريبات جوية مكثفة وخطط لضرب المنشآت النووية والصاروخية وتحركات أمريكية في المنطقة.. وتل أبيب وواشنطن تدرسان سيناريو التصعيد وسط مخاوف من رد إيراني واسع
تتجه الأنظار مجددًا إلى المواجهة المحتملة بين إسرائيل وإيران، في ظل تقارير أمريكية وإسرائيلية تتحدث عن استعدادات عسكرية لاحتمال استئناف الضربات ضد طهران خلال الفترة المقبلة، وسط تعثر المسار الدبلوماسي وتصاعد المخاوف من عودة المواجهة المباشرة بين الطرفين.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة مع ما أوردته شبكة NPR الأمريكية، في تقرير نشرته الخميس 22 أكتوبر 2026، بشأن استعداد الولايات المتحدة وإسرائيل لاحتمال تنفيذ هجوم جديد على إيران في أوائل نوفمبر المقبل، عقب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في الثالث من نوفمبر. ونقل التقرير عن مصدر مطلع على التخطيط العسكري أن الاستعدادات قد تكون جزءًا من الضغط على طهران لدفعها إلى تقديم تنازلات في المفاوضات، وليس بالضرورة مؤشرًا على اتخاذ قرار نهائي بالهجوم.
وتشير هذه المعطيات إلى أن المنطقة تقف أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية والرهانات الدبلوماسية، بينما يبقى السؤال الرئيسي: هل تتحول الاستعدادات الحالية إلى موجة جديدة من الضربات، أم تستخدمها واشنطن وتل أبيب لتعزيز الضغط على إيران؟
تدريبات عسكرية ورسائل ردع.. ماذا تفعل إسرائيل؟
في مؤشر على استمرار الاستعداد لاحتمال تجدد العمليات، نفذ سلاح الجو الإسرائيلي، وفق تقرير نشرته أكسيوس الأربعاء 21 أكتوبر، تحركًا جويًا واسع النطاق قرب الحدود الإيرانية، شاركت فيه عشرات الطائرات المقاتلة وطائرات التزود بالوقود، في مهمة وصفتها مصادر أمريكية وإسرائيلية بأنها استعراض للقدرة على تنفيذ عمليات بعيدة المدى.
وجاء التحرك بالتزامن مع زيارة وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث إلى إسرائيل، وإن أشارت المصادر إلى أن التزامن لا يعني بالضرورة وجود ارتباط مباشر بين الحدثين.
وتعكس هذه التحركات، وفق القراءة العسكرية، اهتمامًا بإظهار القدرة على الوصول إلى مسارح عمليات بعيدة، وإرسال رسائل ردع إلى طهران، مع إبقاء الخيارات العسكرية مطروحة أمام القيادة الإسرائيلية.
لكن من الضروري التمييز بين التدريبات والاستعراضات العسكرية وبين بدء عملية هجومية فعلية؛ فمثل هذه التحركات قد تخدم أهدافًا تتعلق بالردع والضغط السياسي، ولا تثبت وحدها أن قرار الحرب قد اتُّخذ.
المنشآت النووية والصواريخ والطاقة.. أهداف محتملة في أي هجوم جديد
تتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف بين واشنطن وطهران في مستقبل البرنامج النووي الإيراني، إلى جانب القدرات الصاروخية وترتيبات الأمن الإقليمي.
وفي هذا السياق، أفادت تقارير نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، ونقلتها وكالة الأناضول في 22 أكتوبر، بأن المخططات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية لعملية محتملة قد تشمل المنشآت النووية الإيرانية، ومخزونات الصواريخ والطائرات المسيّرة، والبنية التحتية للطاقة. كما أشارت التقارير إلى أن الخطط لا تزال خاضعة للحسابات السياسية، وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يحسم الموافقة على استئناف الضربات.
وتعكس طبيعة الأهداف المتداولة اتساع نطاق الخيارات التي يجري بحثها؛ إذ لا يتعلق الأمر بالمنشآت النووية وحدها، بل بقدرات عسكرية واقتصادية يمكن أن تؤثر في قدرة إيران على مواصلة المواجهة.
ومع ذلك، لا توجد حتى الآن قائمة رسمية معلنة بالأهداف التي ستُستهدف في أي عملية محتملة، كما لا يمكن اعتبار التقارير المتعلقة بالخطط العسكرية دليلًا على أن هذه الأهداف قد اعتُمدت بصورة نهائية.
واشنطن وتل أبيب.. تنسيق عسكري وحسابات سياسية معقدة
لا يبدو احتمال تجدد المواجهة قرارًا إسرائيليًا منفردًا، إذ تشير التقارير إلى أن التنسيق مع الولايات المتحدة يمثل عنصرًا أساسيًا في حسابات التصعيد.
ووفق تقرير أكسيوس المنشور في 7 أكتوبر، تلقّت القيادة العسكرية الأمريكية توجيهات باستكمال الاستعدادات اللازمة لاحتمال استئناف العمليات العسكرية الكبرى ضد إيران، دون تحديد موعد ملزم لبدء الهجوم أو إعلان قرار نهائي من البيت الأبيض. كما تحدث التقرير عن مناقشات بين مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين بشأن الخيارات العسكرية المتاحة.
وتواجه إدارة ترامب معادلة دقيقة؛ فمن جهة، تريد ممارسة الضغط على إيران بشأن برنامجها النووي وترتيبات الأمن الإقليمي، ومن جهة أخرى، يتعين عليها حساب التداعيات المحتملة لأي تصعيد على أسواق الطاقة والاقتصاد الأمريكي وأمن القوات والمصالح الأمريكية في المنطقة.
كما تفرض الانتخابات الأمريكية المقررة في 3 نوفمبر اعتبارات سياسية إضافية على توقيت أي تحرك عسكري، وفق ما أوردته التقارير. وفي إسرائيل، يأتي الجدل بشأن إيران بالتزامن مع الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر، وهو ما يضيف بُعدًا سياسيًا داخليًا إلى حسابات اتخاذ القرار.
وفي المقابل، نفت تصريحات إسرائيلية سابقة بعض الروايات التي تحدثت عن أن ترامب منع نتنياهو من تنفيذ ضربة كانت مقررة في منتصف أكتوبر، الأمر الذي يعكس استمرار التباين بين الروايات الصحفية والتصريحات الرسمية بشأن تفاصيل المشاورات.
الجبهة الداخلية الإسرائيلية.. الاستعداد لاحتمال الرد الإيراني
لا تتوقف الحسابات الإسرائيلية عند القدرة على تنفيذ الهجوم، بل تشمل أيضًا الاستعداد للتداعيات التي قد تترتب عليه.
فأي ضربات جديدة ضد إيران قد تدفع طهران إلى الرد بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بما يضع منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية أمام اختبار جديد، ويثير مخاوف من استهداف منشآت حيوية أو تعطيل الحياة اليومية في بعض المناطق.
وكانت تقارير أكسيوس قد أشارت إلى أن المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين يأخذون في الحسبان احتمال رد إيراني واسع إذا استؤنفت العمليات العسكرية الكبرى، بما قد يرفع تكلفة المواجهة ويزيد صعوبة احتوائها.
ويعني ذلك أن نجاح أي عملية عسكرية من المنظور الإسرائيلي لن يرتبط فقط بمدى تأثير الضربات في القدرات الإيرانية، وإنما أيضًا بقدرة إسرائيل على احتواء الرد المتوقع ومنع تحوله إلى حرب طويلة أو متعددة الجبهات.
إيران تلوّح برد أوسع.. هل تتسع المواجهة إقليميًا؟
في المقابل، لا تبدو طهران مستعدة للتعامل مع أي هجوم جديد باعتباره مواجهة محدودة بالضرورة.
ففي تقرير نشرته وكالة رويترز في الأول من أكتوبر، أفادت مصادر إيرانية بأن طهران تستعد لاحتمال تعرضها لهجمات أمريكية جديدة، وأنها تدرس ردًا أوسع وأكثر قوة إذا استؤنفت العمليات العسكرية واسعة النطاق. وأشار التقرير إلى أن هذه الاستعدادات تتزامن مع استمرار الاتصالات الدبلوماسية، رغم ضعف الثقة بين الطرفين وتعثر المفاوضات.
وتكمن خطورة هذا السيناريو في احتمال تجاوز المواجهة حدود الأراضي الإيرانية والإسرائيلية، لتشمل مصالح أمريكية ومنشآت طاقة وممرات بحرية في المنطقة، بما يرفع المخاطر الأمنية والاقتصادية على دول الشرق الأوسط.
ويكتسب مضيق هرمز أهمية خاصة في هذه الحسابات، نظرًا لدوره في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. وأي اضطراب واسع في الملاحة عبره قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على أسواق النفط والشحن، بما ينعكس على اقتصادات المنطقة والعالم.
لكن اتساع المواجهة ليس نتيجة حتمية؛ إذ تظل طبيعة الهجوم المحتمل، وحجم الرد الإيراني، ومدى تدخل الأطراف الإقليمية والدولية، عوامل ستحدد مسار الأحداث.
هل تكون الاستعدادات ورقة ضغط لإجبار طهران على التفاوض؟
على الرغم من تصاعد المؤشرات العسكرية، لا يزال المسار الدبلوماسي حاضرًا في المشهد، وإن كانت فرص التوصل إلى تفاهم سريع تبدو معقدة في ظل الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي والعقوبات وترتيبات الأمن الإقليمي.
وتشير التقارير إلى أن التلويح باستئناف الضربات قد يُستخدم لدفع إيران إلى تقديم تنازلات في المفاوضات، خصوصًا أن واشنطن لم تعلن قرارًا نهائيًا بالعودة إلى العمليات العسكرية الكبرى.
غير أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر؛ فزيادة الضغط العسكري قد تدفع طهران إلى التفاوض من موقع أكثر تشددًا، أو قد تؤدي إلى سوء تقدير متبادل يسرّع اندلاع مواجهة جديدة.
وبالتالي، فإن الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة لن يكون في حجم الاستعدادات العسكرية وحده، وإنما في قدرة الأطراف على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة ومنع تحول التهديدات المتبادلة إلى صراع مفتوح.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
في ضوء المعطيات المنشورة، يمكن رصد ثلاثة مسارات رئيسية محتملة:
السيناريو الأول: ضربة عسكرية جديدة. قد تتحول الخطط والاستعدادات إلى عمليات هجومية إذا قررت واشنطن وتل أبيب أن المسار الدبلوماسي لم يعد يحقق أهدافهما. وسيظل حجم العملية ونطاقها ومدى مشاركة الولايات المتحدة من العوامل غير المحسومة.
السيناريو الثاني: استمرار الضغط دون حرب واسعة. قد تواصل الأطراف رفع الجاهزية وإظهار القوة العسكرية بالتوازي مع العقوبات والضغوط الدبلوماسية، بهدف دفع إيران إلى تقديم تنازلات دون تحمل تكلفة مواجهة شاملة.
السيناريو الثالث: احتواء التصعيد عبر التفاوض. قد تفتح الاتصالات السياسية مجالًا لتفاهمات جزئية بشأن الملف النووي أو الملاحة والأمن الإقليمي، بما يقلل احتمالات تجدد الهجمات، حتى إن لم يؤد ذلك إلى تسوية نهائية للخلافات.
ولا تسمح المعلومات المتاحة بالجزم بأي من هذه السيناريوهات، كما أن توقيت العمليات المحتملة يظل تقديرًا منسوبًا إلى مصادر مطلعة، وليس موعدًا رسميًا معلنًا.
هل الاستعداد للحرب يعني أن قرارها اتخذ؟
تكشف التطورات الأخيرة عن استمرار الاستعدادات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية لاحتمال استئناف الهجمات على إيران، بالتزامن مع تعثر المفاوضات وتصاعد المخاوف من رد إيراني قد يطال مصالح ومنشآت في أنحاء المنطقة.
وتتمثل أبرز المؤشرات في التدريبات الجوية الإسرائيلية بعيدة المدى، والتقارير المتعلقة بتحديث الخطط العسكرية، واستمرار التنسيق بين واشنطن وتل أبيب بشأن الخيارات المتاحة.
لكن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تكفي لإعلان أن الحرب باتت وشيكة بصورة مؤكدة.
فقرار الهجوم لا يزال مرتبطًا بحسابات سياسية وعسكرية واقتصادية متشابكة، بينما تبقى الدبلوماسية أحد المسارات المطروحة لتجنب عودة المواجهة.
وبين استعدادات الميدان وحسابات السياسة، يبقى السؤال الذي يشغل المنطقة: هل تتحول التحركات العسكرية إلى ضربة جديدة تعيد الشرق الأوسط إلى دائرة الحرب، أم تنجح الضغوط المتبادلة في فتح نافذة لتسوية تحد من مخاطر التصعيد؟.
