أكد أحمد العناني، خبير العلاقات الدولية، أن حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن رفض عسكرة البحر الأحمر من جانب أي دولة، خلال القمة المصرية الروسية بحضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يحمل رسائل استراتيجية واضحة، ويعكس تمسك مصر بحماية أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية، في ظل التحركات الإقليمية الرامية إلى تعزيز الوجود العسكري في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

وأوضح "العناني"، في تصريح خاص لـ«خمسة سياسة»، أن موقف الرئيس السيسي يمثل رسالة واضحة إلى إثيوبيا، في ضوء تحركاتها الرامية إلى الوصول إلى موانئ في إقليم أرض الصومال وإقامة قواعد عسكرية بالمنطقة، مشيرًا إلى أن القاهرة ترفض أي تحركات من شأنها فرض واقع عسكري جديد يهدد استقرار البحر الأحمر أو يمس مصالح الدول المطلة عليه.

وأضاف أحمد العناني، أن الموقف المصري يستند إلى مجموعة من الاعتبارات السياسية والقانونية والاستراتيجية، التي تؤكد حرص القاهرة على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ومنع التدخلات الخارجية التي قد تؤدي إلى تقسيم الدول أو إضعاف مؤسساتها، فضلًا عن الحفاظ على التوازنات الأمنية في منطقة تعد من أهم الممرات البحرية والتجارية على مستوى العالم.

ثلاثة مسارات تحكم الموقف المصري من عسكرة البحر الأحمر

وأشار خبير العلاقات الدولية إلى أن الموقف المصري من التحركات الرامية إلى عسكرة البحر الأحمر يرتكز على ثلاثة مسارات رئيسية، يأتي في مقدمتها رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية والمساس بوحدتها وسيادتها، مؤكدًا أن مصر تتمسك بمبدأ احترام استقلال الدول العربية ورفض أي تحركات من شأنها إضعافها أو تقسيم أراضيها، كما تدعم الحلول التي تحافظ على وحدة الدول واستقرارها.

وفي هذا السياق، شدد "العناني"، على أن القاهرة ترفض توظيف التحركات العسكرية أو الاتفاقات السياسية لتحقيق أهداف تتعارض مع سيادة الدول ووحدة أراضيها، لافتًا إلى أن استقرار الدول العربية يمثل جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن القومي العربي، وأن أي محاولة لإضعاف دولة أو فرض واقع جديد عليها قد تنعكس تداعياتها على المنطقة بأكملها.

أما المسار الثاني، فيتعلق، بحسب العناني، بدعم الشرعية الدولية واحترام سيادة الدول الإفريقية ووحدة أراضيها، موضحًا أن منطقة القرن الإفريقي تشهد تطورات متسارعة تتطلب الالتزام بقواعد القانون الدولي، وعدم اتخاذ خطوات أحادية قد تفتح الباب أمام النزاعات أو تؤدي إلى تغيير الأوضاع السياسية والجغرافية القائمة على نحو يهدد استقرار المنطقة.

وأضاف"العناني"، أن أي تحركات تستهدف تكريس الانقسام أو فرض ترتيبات غير متوافق عليها دوليًا من شأنها الإضرار بمصالح الدول العربية والإفريقية، فضلًا عن تقويض قواعد الشرعية الدولية، وهو ما يجعل احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها ضرورة للحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليميين.

البعد الجيوستراتيجي.. لماذا ترفض مصر عسكرة البحر الأحمر؟

وفيما يتعلق بالمسار الثالث، أوضح العناني أنه يرتبط بالاعتبارات الجيوستراتيجية، في ضوء الأهمية المحورية للصومال ومنطقة القرن الإفريقي وخليج عدن والبحر الأحمر بالنسبة إلى الأمن القومي المصري.

ولفت إلى أن الموقع الجغرافي للصومال، وقربه من الممرات البحرية الحيوية، يجعلان أي تحركات عسكرية تستهدف فرض نفوذ جديد في المنطقة موضع اهتمام مباشر من القاهرة والدول المطلة على البحر الأحمر، خاصة في ظل ارتباط أمن هذه المنطقة بحركة التجارة العالمية والملاحة الدولية ومصالح الدول الساحلية.

وأكد "العناني"، أن مصر لن تقبل بتحويل البحر الأحمر إلى ساحة للتنافس العسكري أو فرض النفوذ الإقليمي، مشددًا على أن الحفاظ على أمنه واستقراره يتطلب تنسيقًا بين الدول المطلة عليه، واحترام سيادتها، وعدم السماح بوجود ترتيبات عسكرية تهدد مصالحها أو تخل بالتوازنات الأمنية القائمة.

وأضاف خبير العلاقات الدولية، أن الرسالة المصرية في هذا الإطار واضحة، وتتمثل في أن أمن البحر الأحمر مسؤولية مشتركة بين الدول المطلة عليه، وأن أي تحركات تستهدف عسكرة المنطقة أو تهديد استقرارها تمثل مصدر قلق استراتيجيًا لا يمكن تجاهله.

مياه النيل.. السيسي يرفض المساس بحقوق مصر المائية

وفي سياق متصل، أكد "العناني"، أن حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن مياه النيل يعكس تمسك الدولة المصرية بحقوقها المائية ورفضها القاطع لأي مخططات من شأنها الانتقاص من حصة مصر أو الإضرار بمصالحها الحيوية المرتبطة بنهر النيل.

وأوضح "العناني"،  أن قضية مياه النيل تمثل أحد الملفات الاستراتيجية المرتبطة بالأمن القومي المصري، نظرًا إلى اعتماد مصر بصورة أساسية على النهر في تلبية احتياجاتها المائية، ومن ثم فإن القاهرة تتمسك بضرورة التوصل إلى حلول عادلة ومستدامة تراعي مصالح جميع دول حوض النيل، مع رفض الإجراءات الأحادية التي قد تلحق ضررًا بحقوق مصر المائية.

وشدد "العناني"، على أن موقف مصر يقوم على حماية حقوقها المائية، واحترام قواعد القانون الدولي، والتوصل إلى تفاهمات تحقق المصالح المشتركة لدول حوض النيل، دون الإضرار بحقوق أي دولة أو المساس بأمنها المائي.

وأشار "العناني"، إلى أن الجمع بين التأكيد على رفض عسكرة البحر الأحمر والتمسك بالحقوق المائية المصرية يعكس ثوابت السياسة الخارجية المصرية، القائمة على حماية الأمن القومي، والدفاع عن المصالح الاستراتيجية، ودعم الاستقرار الإقليمي، مع الانفتاح على الحلول السياسية والدبلوماسية التي تحول دون تصاعد الأزمات.

العلاقات المصرية الروسية.. شراكة استراتيجية ممتدة منذ عقود

وتأتي هذه المواقف في إطار العلاقات المصرية الروسية التي تمتد جذورها إلى عقود طويلة، إذ أقامت مصر والاتحاد السوفيتي علاقات دبلوماسية عام 1943، وشهدت العلاقات بين البلدين توسعًا ملحوظًا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، خاصة في مجالات التصنيع والبنية التحتية والطاقة، ومن أبرز محطاتها التعاون في بناء السد العالي.

وعقب تفكك الاتحاد السوفيتي، استمرت العلاقات بين مصر وروسيا الاتحادية، وشهدت تطورًا تدريجيًا على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية. كما اكتسبت زخمًا إضافيًا خلال السنوات الأخيرة، مع توسيع التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والسياحة والصناعة، إلى جانب التنسيق بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية.

وتعززت الشراكة بين البلدين من خلال الزيارات واللقاءات الرئاسية المتبادلة، والاتفاق على إقامة تعاون استراتيجي طويل الأمد، فضلًا عن مشروعات كبرى، من بينها مشروع محطة الضبعة للطاقة النووية، بما يعكس تنوع مجالات التعاون بين القاهرة وموسكو.

وفي هذا الإطار، تمثل القمم المصرية الروسية فرصة لتبادل الرؤى بشأن التطورات الإقليمية والدولية، وبحث سبل تعزيز التعاون الثنائي، والتأكيد على أهمية احترام سيادة الدول، ودعم الاستقرار، والتعامل مع التحديات الأمنية والسياسية عبر القنوات الدبلوماسية.

واختتم "العناني"، بالتأكيد على أن الرسائل التي تتبناها مصر بشأن أمن البحر الأحمر وحقوقها المائية تعكس تمسك القاهرة بثوابتها الاستراتيجية، وحرصها على حماية مصالحها الوطنية، ومنع فرض أي واقع إقليمي جديد يتعارض مع قواعد القانون الدولي أو يهدد أمن المنطقة واستقرارها.