لماذا يرمز الحمار للديمقراطيين والفيل للجمهوريين في أمريكا؟.. لم تكن السياسة الأميركية يومًا مجرد صراع بين برامج انتخابية ورؤى اقتصادية واجتماعية مختلفة، بل امتلكت أيضًا لغة بصرية خاصة، تحولت مع مرور الزمن إلى جزء من هوية الأحزاب وتاريخها.
ففي الولايات المتحدة، يكفي ظهور حمار أو فيل في رسم كاريكاتيري أو ملصق انتخابي حتى يدرك المتابع أنه أمام إشارة إلى أحد الحزبين الكبيرين: الحزب الديمقراطي أو الحزب الجمهوري.
لكن لماذا اختير الحمار ليمثل الديمقراطيين، بينما أصبح الفيل رمزًا للجمهوريين؟ وهل كان الاختيار مقصودًا منذ البداية، أم أن الأمر بدأ باعتباره مجرد سخرية سياسية قبل أن يتحول إلى علامة راسخة في الحياة السياسية الأميركية؟
تعود الحكاية إلى القرن التاسع عشر، وتحديدًا إلى مرحلة كانت فيها الصحافة الساخرة والرسوم الكاريكاتيرية تلعب دورًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام الأميركي، حين استطاع رسام واحد أن يترك بصمة استثنائية في تاريخ السياسة، ويحول حيوانين إلى أشهر رمزين حزبيين في الولايات المتحدة.
الحمار.. من تهمة سياسية إلى رمز للديمقراطيين
تعود جذور ارتباط الحمار بالحزب الديمقراطي إلى عام 1828، خلال الحملة الانتخابية للرئيس الأميركي أندرو جاكسون، الذي كان يخوض معركة سياسية حادة للوصول إلى البيت الأبيض.
في ذلك الوقت، استخدم خصوم جاكسون وصف «Jackass»، الذي يعني الحمار أو الشخص الأحمق، للسخرية منه والتقليل من قدراته السياسية، في إشارة إلى ما اعتبروه عنادًا وافتقارًا إلى الخبرة.
لكن جاكسون تعامل مع الوصف بطريقة مختلفة؛ فبدلًا من اعتباره إهانة ينبغي التخلص منها، تبنى صورة الحمار باعتبارها تعبيرًا عن الإصرار والعناد والقدرة على مواجهة الخصوم.
ومع مرور الوقت، ارتبط الحيوان بالحزب الديمقراطي الذي مثّله جاكسون سياسيًا، وإن لم يتحول إلى شعار رسمي للحزب بقرار تنظيمي.
لكن ظهور الحمار في الحياة السياسية الأميركية لم يكن نهاية القصة، بل كان بداية لمرحلة جديدة ستشهد دخول رمز آخر إلى المنافسة الحزبية، وهو الفيل.
توماس ناست.. الرسام الذي صنع أشهر رمزين في السياسة الأميركية
إذا كان أندرو جاكسون قد أسهم في ربط الحمار بالديمقراطيين، فإن الفضل الأكبر في ترسيخ الرمزين معًا يعود إلى رسام الكاريكاتير الأميركي من أصل ألماني توماس ناست (Thomas Nast)، الذي عمل في مجلة «هاربرز ويكلي» (Harper’s Weekly)، وكان من أبرز رسامي الكاريكاتير السياسي في القرن التاسع عشر.
لم يكن ناست مجرد رسام ينقل الأحداث السياسية إلى الورق، بل كان يستخدم الكاريكاتير أداة للتعليق على الصراعات الحزبية وانتقاد الشخصيات العامة، مستعينًا بالرموز والحيوانات لتوصيل رسائله إلى الجمهور بصورة سريعة ومباشرة.
وفي 15 يناير 1870، نشر ناست رسمًا كاريكاتيريًا ظهر فيه حمار يركل أسدًا ميتًا، حمل عنوان «حمار حي يركل أسدًا ميتًا».
ولم يكن الرسم مجرد مشهد ساخر، بل كان يحمل رسالة سياسية؛ إذ مثّل الحمار صحفًا مرتبطة بجماعة من الديمقراطيين عُرفت باسم «كوبَر هيدز» (Copperheads)، بينما مثّل الأسد إدوين ستانتون، وزير الحرب السابق في إدارة الرئيس أبراهام لينكولن، الذي كان قد توفي قبل نشر الرسم بأيام.
وبمرور الوقت، تجاوزت دلالة الحمار تلك الجماعة السياسية المحددة، وأصبح رمزًا للديمقراطيين عمومًا، بعدما واصل ناست استخدامه في رسوماته التي تناولت الحزب وقياداته.
وهكذا تحولت صورة بدأت في سياق الهجوم السياسي والسخرية إلى واحدة من أكثر العلامات الحزبية رسوخًا في الولايات المتحدة.
الفيل.. كيف أصبح رمزًا للجمهوريين؟
أما الفيل، فقد دخل المشهد السياسي الأميركي بصورة بارزة عام 1874، من خلال رسم آخر لتوماس ناست نشرته مجلة «هاربرز ويكلي» في 7 نوفمبر من العام نفسه، تحت عنوان «ذعر الولاية الثالثة» (The Third-Term Panic).
جاء الرسم في سياق الجدل الدائر حول احتمال ترشح الرئيس الجمهوري آنذاك يوليسيس غرانت لولاية رئاسية ثالثة، وسط مخاوف وانتقادات سياسية وإعلامية بشأن استمرار الرئيس في الحكم وتركيز السلطة.
وفي الكاريكاتير، ظهر فيل ضخم كُتبت عليه عبارة «التصويت الجمهوري» (The Republican Vote)، وهو يتحرك بصورة مضطربة بالقرب من حفرة ترمز إلى الفوضى، بينما تتداعى الأرضية التي يقف عليها.
لم يكن الفيل في الرسم مجرد تجسيد للقوة أو الضخامة، كما قد يتصور البعض عند النظر إلى الرمز اليوم، بل استخدمه ناست لتصوير الكتلة الانتخابية الجمهورية باعتبارها قوة كبيرة، لكنها قابلة للاضطراب والاندفاع، وقد تقع في الفوضى نتيجة الخوف السياسي.
ومع تكرار ظهور الفيل في رسوم ناست خلال سبعينيات القرن التاسع عشر، انتشر استخدامه بوصفه رمزًا للحزب الجمهوري، حتى أصبح علامة ثابتة في الثقافة السياسية الأميركية.
واللافت أن ناست لم يكتفِ بتقديم الفيل وحده؛ ففي عام 1879 ظهر الحمار والفيل معًا في أحد رسومه، في مشهد جمع رمزي الحزبين اللذين سيصبحان لاحقًا أشهر ثنائية حيوانية في السياسة الأميركية.
هل اختار الحزبان رمزيهما بإرادتهما؟
المفارقة التاريخية أن الحزبين لم يبدآ باختيار هذين الحيوانين باعتبارهما شعارين رسميين، ولم يكن الأمر في الأساس حملة منظمة لصناعة هوية بصرية لكل حزب.
فقد جاءت الرموز في سياق الرسوم الساخرة والهجمات السياسية، ثم اكتسبت شهرتها مع تداول الصحف والرسومات، وتحولت تدريجيًا إلى علامات شعبية يسهل التعرف عليها.
بل إن الحزب الديمقراطي استخدم في مراحل سابقة الديك رمزًا له، كما لجأت الأحزاب السياسية الأميركية إلى رموز وطنية أخرى، مثل النسر والعلم الأميركي، قبل أن يستقر الحمار والفيل في الذاكرة العامة بوصفهما رمزي الحزبين الكبيرين.
وهنا تكمن أهمية تجربة توماس ناست؛ فقد استطاعت رسوماته أن تحول أفكارًا سياسية معقدة وصراعات حزبية متشابكة إلى صورتين بسيطتين يمكن للجمهور تذكرهما والتعرف إليهما بسهولة، حتى في زمن لم تكن فيه الصور الفوتوغرافية متاحة على نطاق واسع في الصحف.
من الكاريكاتير إلى الهوية السياسية.. لماذا بقي الرمزان حتى اليوم؟
رغم مرور أكثر من 150 عامًا على ظهور الحمار والفيل في الرسوم السياسية، لا يزال الرمزان حاضرين بقوة في الحياة الانتخابية الأميركية، ويظهران في الحملات الدعائية والمؤتمرات الحزبية والملصقات والمنتجات التذكارية والتغطيات الإعلامية.
ويرتبط استمرار الرمزين بقدرتهما على اختزال الانتماء السياسي في صورة واحدة؛ فالحمار أصبح مرتبطًا بالحزب الديمقراطي، بينما ارتبط الفيل بالحزب الجمهوري، حتى بات ظهورهما كافيًا للتعبير عن المنافسة بين الحزبين دون الحاجة إلى كتابة اسميهما.
لكن من المهم الإشارة إلى أن الصفات التي قد يستحضرها البعض عند رؤية الحيوانين، مثل العناد بالنسبة للحمار أو القوة والضخامة بالنسبة للفيل، لا تمثل بالضرورة توصيفًا رسميًا لأفكار الحزبين أو مواقفهما السياسية.
الجدير بالذكر أن، تكشف حكاية الحمار والفيل عن جانب لافت من تاريخ الديمقراطية الأميركية؛ فبعض الرموز الأكثر رسوخًا في الحياة السياسية لم تولد داخل أروقة الأحزاب أو عبر قرارات رسمية، وإنما خرجت من صفحات الصحف ورسوم السخرية السياسية، ثم تجاوزت أصحابها والظروف التي نشأت فيها لتصبح جزءًا من ذاكرة أمة بأكملها.
