أكد نديم سمنه، خبير الاستثمار واستراتيجيات الشركات وعضو الجمعية المصرية للاستثمار المباشر ورأس المال المخاطر، أن القيمة الحقيقية للاستشارات الإدارية لا تكمن في إعداد الخطط والتوصيات فقط، وإنما في قدرتها على مساعدة الشركات في تحويل استراتيجياتها إلى قرارات عملية ومبادرات قابلة للتنفيذ، تحقق نتائج ملموسة وتنعكس على الأداء والنمو والربحية.

وأوضح سمنه أن عددًا من الشركات يمتلك خططًا طموحة للتوسع وزيادة الأرباح وتحسين الأداء، لكنه يواجه تحديات عند الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الفعلي، مشيرًا إلى أن المشكلة في كثير من الأحيان لا تتعلق بغياب الرؤية، بل بعدم تحديد الأولويات والمسؤوليات ومؤشرات قياس الأداء، إلى جانب عدم وضوح الموارد المطلوبة لتحقيق الأهداف.

وقال إن الاستراتيجية تحدد الاتجاه الذي تسير فيه الشركة، لكن التنفيذ هو العامل الذي يحسم قدرتها على تحقيق النتائج، لافتًا إلى أن دور الاستشارات الإدارية يبدأ من مساعدة الإدارة على تحديد المبادرات الأكثر تأثيرًا، وتوزيع المسؤوليات، وتوفير الموارد، ووضع آليات لمتابعة التقدم والتعامل مع العقبات التي قد تعطل التنفيذ.

التشخيص الدقيق يكشف الأسباب الحقيقية وراء تراجع الأداء

وأشار سمنه إلى أن الاستشارات الإدارية الفعالة لا تبدأ بتقديم حلول جاهزة، وإنما بفهم الوضع الحالي للشركة وإجراء تشخيص شامل لأدائها المالي والتشغيلي، ودراسة نموذج الأعمال والعملاء والمنافسين، فضلًا عن مراجعة الهيكل التنظيمي والعمليات الداخلية وآليات اتخاذ القرار.

وأوضح أن بعض الشركات قد تفسر تراجع المبيعات باعتباره مشكلة في حجم الطلب، بينما يكون السبب الفعلي مرتبطًا بسياسات التسعير أو ضعف قنوات التوزيع أو جودة المنتجات والخدمات. كما أن انخفاض الربحية لا يعني بالضرورة ارتفاع التكاليف فقط، فقد يكون مرتبطًا بمنتجات أو عملاء لا يحققون العائد الاقتصادي المستهدف.

وأضاف أن وجود جهة استشارية تقدم رؤية مستقلة يساعد مجالس الإدارات والإدارات التنفيذية على إعادة تقييم افتراضاتها الداخلية، واكتشاف مواطن الخلل، وتحديد المجالات التي تحتاج إلى التطوير أو إعادة الهيكلة أو تغيير أساليب العمل.

وأكد أن تحويل الأهداف العامة، مثل زيادة الحصة السوقية وتحسين الكفاءة والتوسع في أسواق جديدة، إلى نتائج فعلية يتطلب صياغتها في صورة مبادرات محددة يمكن تنفيذها وقياس أثرها، موضحًا أن تحسين الربحية قد يستلزم مراجعة الأسعار، وتطوير مزيج المنتجات، وتقليل الهدر، وتحسين عمليات الشراء، وتسريع تحصيل المستحقات، وإعادة تصميم بعض الإجراءات الداخلية.

ولفت إلى أن نجاح أي مبادرة يرتبط بوجود هدف واضح، ومسؤول محدد عن التنفيذ، وجدول زمني، وموارد معتمدة، ومؤشرات أداء قابلة للمتابعة، بما يجعل الاستراتيجية جزءًا من منظومة الإدارة اليومية، وليس مجرد وثيقة يتم عرضها على مجلس الإدارة دون ترجمتها إلى خطوات عملية.

خفض التكاليف وحده لا يصنع شركة أكثر كفاءة

وأكد سمنه أن تحسين الكفاءة التشغيلية لا يعني اللجوء إلى خفض النفقات بصورة عشوائية، محذرًا من أن القرارات غير المدروسة في هذا الشأن قد تنعكس سلبًا على جودة المنتجات والخدمات، وتجربة العملاء، والابتكار، والقدرة على الاحتفاظ بالكفاءات الأساسية.

وأوضح أن الاستشارات الإدارية تساعد الشركات على التمييز بين النفقات التي تضيف قيمة حقيقية للنشاط وتلك التي يمكن تقليلها أو الاستغناء عنها، من خلال تبسيط العمليات، وتقليل الوقت المهدور، وتحسين تخطيط الموارد، ومراجعة كفاءة الفروع والمصانع وقنوات التوزيع.

وشدد على أن الهدف من رفع الكفاءة ليس تقليص حجم الشركة بالضرورة، وإنما تحسين قدرتها على تحقيق نتائج أفضل من خلال الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، بما يحافظ على قدرتها التنافسية ويدعم استدامة أعمالها.

وفيما يتعلق باستدامة نتائج الاستشارات، أوضح أن الاستشارة الناجحة لا ينبغي أن تجعل الشركة معتمدة بصورة دائمة على الخبراء الخارجيين، بل يجب أن تسهم في بناء قدرات داخلية تمكنها من مواصلة التطوير بعد انتهاء المشروع، وذلك من خلال إشراك فرق العمل في تحليل المشكلات وتصميم الحلول، وتدريب الموظفين، وتوثيق العمليات، وتحديد المسؤوليات، وإنشاء أنظمة واضحة لمتابعة الأداء.

كما أشار إلى أن إدارة التغيير تمثل عنصرًا أساسيًا في نجاح أي عملية تطوير، إذ قد تفشل بعض المبادرات رغم جودة الحلول المقترحة بسبب عدم استعداد المؤسسة لتطبيقها أو غياب التواصل مع العاملين، وهو ما يتطلب دعمًا واضحًا من الإدارة العليا، وتدريبًا مناسبًا، ومشاركة فعالة للموظفين في مراحل التحول.

وأوضح أن الاستشارات الإدارية ليست حكرًا على الشركات الكبرى أو المؤسسات التي تواجه أزمات، بل يمكن أن تمثل أداة مهمة للشركات الصغيرة والمتوسطة عند الانتقال إلى مرحلة جديدة من النمو، أو دخول مستثمر جديد، أو التوسع في منتج أو سوق مختلف.

وأشار إلى أن الشركات العائلية تحتاج بدورها إلى هذا النوع من الاستشارات عند تنظيم العلاقة بين الملكية والإدارة، ووضع خطط التعاقب، وتطوير الهياكل التنظيمية، بينما تستفيد الشركات الصناعية من تحسين الإنتاج وسلاسل الإمداد، وتحتاج شركات الخدمات إلى تطوير تجربة العملاء ونماذج التشغيل.

واختتم سمنه بالتأكيد على أن القيمة الفعلية للاستشارات الإدارية تظهر في قدرتها على الربط بين الأهداف والموارد والعمليات والعاملين والنتائج المالية، مشددًا على أن الشركات لا تحتاج إلى استراتيجيات طموحة فقط، بل إلى قدرة مؤسسية حقيقية على تنفيذها وتحويلها إلى قيمة مستدامة.