في السنوات الأخيرة، برزت مصر كلاعب محوري على خريطة الطاقة الإقليمية والعالمية، بعد أن نجحت في بناء شبكة معقدة من التحالفات الاقتصادية والاستراتيجية في مجالات الغاز الطبيعي والكهرباء والطاقة المتجددة، جعلت منها مركزًا إقليميًا متكاملًا لتبادل الطاقة بين القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا.
من دولة مستوردة إلى قوة مصدّرة للطاقة
قبل عقد واحد فقط، كانت مصر تواجه تحديات كبيرة في تأمين احتياجاتها من الطاقة، إذ عانت من عجز في إنتاج الغاز وانقطاعات متكررة في الكهرباء، لكن مع بدء الاكتشافات العملاقة في البحر المتوسط، وعلى رأسها حقل ظهر عام 2015، تغيّر المشهد تمامًا، ففي غضون سنوات قليلة، تمكنت مصر من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي، واستعادت قدراتها التصديرية، وأعادت تشغيل محطات الإسالة في إدكو ودمياط لتصبح واحدة من أكبر الدول المصدرة للغاز المسال في شرق المتوسط.
وبحسب بيانات وزارة البترول، بلغ إجمالي صادرات الغاز الطبيعي والمسال نحو 8 مليارات دولار عام 2022، رغم تراجع الأسعار العالمية في 2023، وهو ما يعكس مرونة السوق المصرية وقدرتها على التكيف مع المتغيرات الدولية.
وتراجعت قيمة الصادرات العام الماضي نتيجة الضغط المحلي، وتراجع إنتاج حقل ظهر من الغاز الطبيعي.
ذكر تقرير التجارة الخارجية الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن إجمالي صادرات مصر من الغاز الطبيعي بلغت 2.730 مليار دولار خلال عام 2023.
مصر الأولى في الشرق الأوسط وإفريقيا
تتصدر مصر قائمة دول الشرق الأوسط وإفريقيا في إنتاج الطاقة من الرياح، بعدما حققت طفرة غير مسبوقة في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة، بفضل خطط استراتيجية ورؤية واضحة للتحول نحو الطاقة النظيفة والمستدامة.
تعد منطقة خليج السويس والبحر الأحمر من أفضل مناطق العالم من حيث سرعات الرياح وكفاءتها لتوليد الكهرباء، وهو ما استغلته مصر لإنشاء واحدة من أكبر محطات الطاقة الرياحية في المنطقة، مثل محطة جبل الزيت، التي تُعد من أضخم محطات الرياح في الشرق الأوسط بقدرة تتجاوز 580 ميجاوات.
كما تشهد مصر توسعًا كبيرًا في إنشاء مشروعات جديدة بطاقة إجمالية تتجاوز 3 جيجاوات حتى عام 2025، من خلال شراكات مع كبرى الشركات العالمية مثل ACWA Power السعودية ومصدر الإماراتية وسيمنس الألمانية، وذلك ضمن خطة الدولة لزيادة نسبة الطاقة المتجددة إلى 42% من مزيج الكهرباء بحلول 2030.
ووفقًا لتقارير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA)، أصبحت مصر الأولى إفريقيًا في إنتاج الكهرباء من الرياح، بحصة تتجاوز 60% من إجمالي إنتاج القارة، كما تحتل المرتبة الأولى إقليميًا في حجم الاستثمارات الأجنبية الموجهة لهذا القطاع، والتي تخطت 20 مليار دولار حتى منتصف 2025.
هذه المشروعات لا تقتصر أهميتها على الجانب البيئي فحسب، بل تمثل ركيزة أساسية في تعزيز الأمن الطاقوي لمصر، وتوفير فرص عمل مستدامة، وجذب استثمارات جديدة في الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة.
وبذلك، ترسخ مصر مكانتها كـ قوة إقليمية في مجال الطاقة الخضراء، ومركزًا استراتيجيًا لإنتاج وتصدير الكهرباء النظيفة إلى إفريقيا وأوروبا، ضمن رؤيتها للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة في الشرق الأوسط.
تمثل مشروعات الربط الكهربائي مع دول الجوار أحد أبرز محاور استراتيجية مصر للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة، إذ تسعى الدولة إلى بناء شبكة تبادل كهربائي ضخمة تربط بين القارات الثلاث: إفريقيا وآسيا وأوروبا.
بدأت مصر بتعزيز الربط مع الأردن منذ عام 1999 بطاقة تصل إلى 550 ميجاوات، ثم توسعت لاحقًا في مشروعات الربط مع ليبيا بطاقة 240 ميجاوات، ومع السودان التي تجاوزت المرحلة الأولى منها 80 ميجاوات وجارٍ رفعها تدريجيًا إلى 300 ميجاوات.
أما المشروع الأضخم فهو الربط الكهربائي المصري–السعودي، الذي تبلغ طاقته 3 غيغاوات وتكلفته نحو 1.8 مليار دولار، ويُتوقع تشغيله الكامل في عام 2026، ما سيمكن من تبادل الكهرباء في أوقات الذروة بين البلدين.
كما تمضي مصر في تنفيذ مشروعات الربط مع اليونان وقبرص عبر البحر المتوسط في إطار مشروعي EuroAfrica Interconnector وGREGY، لتصدير الكهرباء النظيفة المنتجة من الشمس والرياح إلى أوروبا.
هذه المشروعات لا تعزز فقط أمن الطاقة الإقليمي، بل تجعل مصر جسرًا كهربائيًا يربط الشرق بالغرب، ويضعها في قلب خريطة تجارة الطاقة العالمية.
التحالفات الإقليمية تعيد رسم الخريطة
يُعد مشروع الربط الكهربائي المصري–السعودي أحد أهم المشروعات الثنائية في مجال الطاقة بين البلدين، ويمثل خطوة محورية نحو إنشاء سوق عربية موحدة للكهرباء.
يحمل المشروع الاسم الرسمي Egypt–Saudi Electricity Interconnection Project، وتصل قدرته الإجمالية إلى 3 جيجاوات، تُنقل عبر خطوط هوائية وكابلات أرضية تمتد لمسافة تتجاوز 1350 كيلومترًا، تشمل كابلات بحرية تمر عبر خليج العقبة.
ويهدف المشروع إلى تبادل الطاقة بين البلدين في أوقات الذروة، بحيث تستفيد مصر من فائض الكهرباء السعودي خلال فترات الطلب المرتفع في الصيف، بينما تُصدّر هي الكهرباء إلى المملكة خلال ذروة الاستهلاك الشتوية.
كما يوفر المشروع احتياطيًا كهربائيًا إستراتيجيًا لكلا الجانبين، ويسهم في دعم استقرار الشبكتين وزيادة كفاءتهما.
تبلغ التكلفة الإجمالية للمشروع نحو 1.8 مليار دولار، وتشارك في تنفيذه شركات عالمية من مصر والسعودية وفرنسا، فيما تتولى الشركة المصرية لنقل الكهرباء والشركة السعودية للكهرباء الإشراف المباشر على التنفيذ، ومن المقرر أن يبدأ التشغيل التجريبي للمرحلة الأولى خلال عام 2026 بطاقة مبدئية تبلغ 1.5 جيجاوات.
من القاهرة إلى أوروبا.. الكهرباء الخضراء تعبر المتوسط
بالتوازي مع الربط الآسيوي، تعمل مصر على تنفيذ مشروعات طموحة لربط شبكتها الكهربائية مع القارة الأوروبية، بما يتيح تصدير فائض إنتاجها من الطاقة المتجددة، خاصةً الشمسية والرياح، إلى السوق الأوروبية المتعطشة للطاقة النظيفة.
وتقود هذه الجهود ثلاثة مشروعات رئيسية:
تحالف مصري يوناني
ينفذ المشروع تحالف مصري–يوناني بقيادة شركة Elica S.A، التابعة لمجموعة Copelouzos Group، ويستهدف نقل 3 جيجاوات من الكهرباء المتجددة من مصر إلى أوروبا عبر جزيرة كريت والبر الرئيسي لليونان.
يمتد الخط لمسافة تقارب 950 كيلومترًا تحت مياه البحر المتوسط، ومن المقرر أن يكتمل خلال الأعوام القليلة المقبلة بعد الانتهاء من الدراسات البيئية والتمويلية.
أضخم المشروعات الإستراتيجية في شرق المتوسط.. مصر وقبرص واليونان
يُعد من أضخم المشروعات الإستراتيجية في شرق المتوسط، إذ يربط شبكات الكهرباء في مصر وقبرص واليونان بشبكة أوروبا القارية،
تبلغ قدرته المبدئية 2 جيجاوات قابلة للزيادة إلى 3 جيجاوات، ويُنفذ عبر كابلات بحرية تمر بعمق يصل إلى ثلاثة آلاف متر تحت سطح البحر، بتكلفة إجمالية تتجاوز 4 مليارات دولار.
مشروع الربط المصري–الأوروبي عبر إيطاليا وإسبانيا (قيد الدراسة)
تدرس القاهرة أيضًا مع الاتحاد الأوروبي إمكان مدّ خطوط ربط إضافية عبر البحر الأبيض المتوسط الغربي نحو إيطاليا أو إسبانيا، في إطار رؤية بعيدة المدى لتحويل مصر إلى مركز عالمي لتجارة الطاقة بين الجنوب والشمال.
مصر.. بوابة الطاقة الجديدة للعالم
تحالفات القاهرة لم تأتِ بمعزل عن السياسة، بل تعكس رؤية استراتيجية متكاملة هدفها تعزيز النفوذ المصري إقليميًا ودوليًا، فمع تصاعد الطلب الأوروبي على مصادر الطاقة البديلة بعد أزمة أوكرانيا، أصبحت مصر شريكًا موثوقًا لتأمين احتياجات القارة من الغاز والكهرباء النظيفة.
وفي المقابل، تتيح هذه التحالفات لمصر تدفقات استثمارية ضخمة وفرص توطين للتكنولوجيا الحديثة، ما يعزز الاقتصاد الوطني ويخلق فرص عمل مستدامة.
اليوم، لم تعد مصر مجرد دولة منتجة للطاقة، بل تحوّلت إلى مركز إقليمي متكامل للتجارة والعبور والتوزيع، يجمع بين الغاز والنفط والطاقة المتجددة والكهرباء، ويمتلك شبكة علاقات وتحالفات تمتد من الخليج إلى أوروبا، وبهذا، ترسخ القاهرة مكانتها على خريطة الطاقة العالمية كـ"بوابة العبور الجديدة للطاقة بين القارات".
