تستعد مصر لافتتاح المتحف المصري الكبير رسميًا غدًا 1 نوفمبر 2025، في حدث عالمي ينتظره المهتمون بالتراث الإنساني، بحضور ملوك ورؤساء دول، وشخصيات بارزة من مختلف أنحاء العالم.
ويمثل المتحف المصري الكبير أحد أبرز المشروعات الثقافية والحضارية في القرن الحادي والعشرين، وصرحًا فريدًا يعكس عظمة التاريخ المصري القديم وعبقرية العمارة الحديثة.
من الفكرة إلى التنفيذ
تعود فكرة إنشاء المتحف إلى تسعينيات القرن الماضي، بهدف إنشاء أكبر متحف في العالم يضم آثار الحضارة المصرية القديمة، وفي عام 2002 وُضع حجر الأساس للمشروع في موقع استراتيجي يطل على أهرامات الجيزة، بحضور الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، لتبدأ بعدها رحلة طويلة من العمل والإنجاز.
تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) والاتحاد الدولي للمهندسين المعماريين، أطلقت مصر مسابقة دولية لاختيار أفضل تصميم للمتحف، فاز بها مكتب Heneghan Peng Architects الأيرلندي عام 2003، واستُوحي التصميم من أشعة الشمس الممتدة من قمم الأهرامات الثلاثة، لتتلاقى في نقطة تمثل كتلة المتحف المهيبة، ليبدو في شكله العام وكأنه "هرم رابع".
بدأت أعمال الإنشاء الفعلية في مايو 2005 بعد تمهيد الأرض وتجهيز الموقع، بتمويل من هيئة التعاون الدولي اليابانية (جايكا).
وفي عام 2006، تم إنشاء أكبر مركز لترميم الآثار في الشرق الأوسط، خُصص لحفظ وصيانة القطع الأثرية المقرر عرضها داخل المتحف، وتم افتتاحه رسميًا عام 2010.
توقف واستئناف
توقفت أعمال المشروع عقب أحداث يناير 2011، قبل أن يُعاد إحياؤه في عام 2014 بتوجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي وضع المتحف ضمن المشروعات القومية الكبرى للدولة المصرية.
وفي عام 2016 صدر قرار مجلس الوزراء بإنشاء وتنظيم هيئة المتحف المصري الكبير، تلاه القانون رقم 9 لسنة 2020 الذي أعاد تنظيم الهيئة كهيئة عامة اقتصادية تتبع وزير السياحة والآثار، كما أصدر رئيس الجمهورية قرارًا بتشكيل مجلس أمناء هيئة المتحف برئاسته، وعضوية نخبة من الشخصيات المصرية والدولية في مجالات الآثار، والإدارة، والاقتصاد، والتسويق، والتعاون الدولي.
أضخم متحف أثري في العالم
يقع المتحف على مساحة 500 ألف متر مربع، منها 120 ألف متر للحدائق والمناطق المفتوحة، ويضم 12 صالة عرض رئيسية تغطي جميع العصور من ما قبل التاريخ حتى نهاية العصر الروماني، وتفوق مساحة كل قاعة عرض فيه العديد من المتاحف العالمية.
يضم المتحف أكثر من 100 ألف قطعة أثرية، من أبرزها مجموعة الملك توت عنخ آمون الكاملة التي تُعرض لأول مرة منذ اكتشاف مقبرته عام 1922، ومجموعة الملكة حتب حرس، ومراكب الملك خوفو، إلى جانب آثار تغطي مختلف عصور الحضارة المصرية.
وفي يناير 2018، تم نقل تمثال الملك رمسيس الثاني ليكون أول قطعة تستقر داخل المتحف، في بهوه العظيم الذي يُعد من أبرز معالمه المعمارية، حيث تتدلى فوقه المسلة المعلقة الشهيرة، التي أصبحت رمزًا للمتحف من الخارج.
متحف عالمي صديق للبيئة
في عام 2024، حصل المتحف على شهادة Edge Advance الدولية للمباني الخضراء من مؤسسة التمويل الدولي التابعة للبنك الدولي، ليصبح أول متحف أخضر في إفريقيا والشرق الأوسط.
وجاء ذلك بعد تطبيق معايير دقيقة لترشيد الطاقة واستخدام المصادر النظيفة، بما في ذلك الخلايا الشمسية، والإضاءة الذكية، وأنظمة التهوية الطبيعية.
صرح ثقافي وترفيهي متكامل
لا يقتصر المتحف المصري الكبير على قاعات العرض الأثري فقط، بل يشمل مجموعة من المرافق والخدمات الثقافية والترفيهية، منها:
- متحف للأطفال ومركز تعليمي حديث.
- قاعة مؤتمرات وسينما ومناطق للمعارض المؤقتة.
- منطقة تجارية وسياحية تضم متاجر، مطاعم، وكافيتريات عالمية.
- حدائق عامة ومساحات خضراء مفتوحة للزائرين.
وفي أبريل 2021، تم توقيع عقد تشغيل خدمات الزائرين مع تحالف حسن علام بالتعاون مع شركات محلية وعالمية في مجالات التسويق والضيافة والجودة.
الافتتاح المنتظر
رغم تشغيل بعض الجولات المحدودة في مناطق الخدمات، لا تزال قاعات العرض الرئيسية مغلقة حتى موعد الافتتاح الرسمي المقرر غدًا، والذي سيشهد احتفالًا عالميًا بحضور قادة وممثلين من مختلف دول العالم.
بهذا الإنجاز، تضع مصر المتحف المصري الكبير على خريطة العالم الثقافية كأكبر وأحدث متحف للآثار في التاريخ، يجمع بين عبق الماضي وروح المستقبل، ويُعيد تقديم حضارة الفراعنة للعالم في أبهى صورها.
أكد المهندس محمد جمال، عضو اللجنة الهندسية بالمتحف المصري الكبير، أن افتتاح المتحف يُعد إنجازًا حضاريًا فريدًا يبرز ريادة مصر في مجالات العمارة والثقافة والحفاظ على التراث الإنساني، مشيرًا إلى أن المشروع يمثل ملحمة هندسية وإنسانية بكل المقاييس.
تصميم يجمع عبقرية الأجداد وحداثة الحاضر
قال جمال في تصريحات مُتلفزة إن المتحف المصري الكبير يجسد صورة مشرفة لمصر الحديثة، موضحًا أن التصميم الهندسي للمبنى استلهم روح العمارة المصرية القديمة مع دمجها بأحدث تقنيات البناء في العالم.
وأضاف أن موقع المتحف، الذي يبعد نحو كيلومترين فقط عن أهرامات الجيزة، جعل من الضروري أن يكون التصميم متناسقًا مع عظمة المكان.
وأشار إلى أن العناصر المثلثة التي تزين واجهة المتحف جاءت انعكاسًا لرمزية الهرم، مضيفًا أن استخدام هذه العناصر في التكوينات المعمارية المختلفة أضفى على المبنى روح العظمة والرهبة التي تليق بالآثار المصرية.
نقل الآثار.. ملحمة بطولية بتوقيع المصريين
وتحدث عضو اللجنة الهندسية عن التحديات التي واجهت فرق العمل أثناء نقل المقتنيات الفرعونية إلى المتحف، قائلًا إن العملية تمت بتخطيط دقيق وبأيدي مصرية خالصة، موضحًا أن نقل آلاف القطع الأثرية، بعضها يزن عشرات الأطنان، لم يكن عملًا عاديًا، بل "ملحمة حقيقية" شاركت فيها فرق هندسية وترميمية بتنسيق محكم.
وأضاف جمال: "نحن أول متحف في العالم يعرض آثارًا ضخمة على الدرج العظيم، الذي يؤدي إلى قاعات العرض الرئيسية في الدور الثالث، ومنها قاعات الملك توت عنخ آمون. هذه العملية تمت باستخدام أحدث تقنيات التثبيت والحسابات الهندسية المعقدة لضمان سلامة القطع وعدم تعرضها لأي اهتزاز أو خطر مستقبلي.
وأشاد بجهود اللواء عاطف مفتاح، المشرف العام على مشروع المتحف، وبالتعاون المثمر مع شركة المقاولون العرب وفريق المرممين المصريين الذين عملوا بدقة عالية، مؤكدًا أن كل قطعة تم تثبيتها بعناية تُحاكي احترام المصريين لتراثهم.
متحف أخضر بمعايير عالمية
ولفت المهندس محمد جمال إلى أن المتحف المصري الكبير حصل على عدة شهادات وجوائز دولية قبل افتتاحه الرسمي، لالتزامه بأعلى معايير التنمية المستدامة.
وأوضح أن المشروع صُمم ليكون "متحفًا أخضر"، يعتمد على الطاقة الشمسية في التشغيل، ويستخدم أنظمة لترشيد استهلاك المياه وجمع مياه الأمطار ومعالجتها لإعادة استخدامها في ري المساحات الخضراء المحيطة بالمتحف.
وأضاف: "كنا حريصين منذ البداية على أن يكون المتحف صديقًا للبيئة، يجمع بين الحفاظ على التراث والاستدامة البيئية، وهو ما جعله يحظى بإشادة المنظمات الدولية حتى قبل افتتاحه."
تجربة زائر تفاعلية ومتفردة
وأشار جمال إلى أن المتحف لا يقتصر دوره على عرض الآثار فحسب، بل يقدم تجربة بصرية وتفاعلية فريدة للزوار من مختلف دول العالم، وقال إن أسلوب العرض بالمتحف يعتمد على التفاعل المباشر من خلال الشاشات الرقمية والوسائل البصرية الحديثة، وليس على الطريقة التقليدية المعتمدة على بطاقات الشرح فقط.
وأضاف: "كنا حريصين أن يعيش الزائر تجربة متكاملة تشمل الصوت والصورة والتفاعل المباشر، مع إتاحة خدمات مخصصة لذوي الهمم مثل الإرشادات البصرية والسمعية في جميع القاعات"، كما أكد أن الدليل الصوتي والموقع الإلكتروني للمتحف سيمنحان الزائر تجربة رقمية متكاملة قبل وأثناء الزيارة.
واختتم المهندس محمد جمال حديثه مؤكدًا أن المتحف المصري الكبير يمثل "قصة نجاح وطنية" توثق عبقرية المصريين في الماضي والحاضر، قائلًا: "المتحف مش مجرد مبنى بيعرض آثار، لكنه رسالة حضارية للعالم كله، هو مشروع يروى للأجيال، وشهادة على أن المصريين ما زالوا قادرين يصنعوا المعجزات مثل أجدادهم تمامًا."
