شهدت الأسابيع الأخيرة توقفًا مؤقتًا في الرحلات المخصصة لإعادة السودانيين المقيمين في مصر إلى وطنهم، بعد أن كانت الهيئة القومية لسكك حديد مصر تسيّر تلك الرحلات بشكل دوري ضمن مبادرة  «العودة الطوعية»، التي أطلقتها الحكومة المصرية دعمًا للأشقاء السودانيين منذ اندلاع النزاع المسلح في السودان في أبريل 2023.

وكانت الهيئة القومية لسكك حديد مصر قد أعلنت، منتصف أكتوبر الماضي، عن تسيير الرحلة السادسة والعشرين من قطارات العودة الطوعية، التي انطلقت من محطة مصر برمسيس متجهة إلى أسوان، وعلى متنها مئات الأسر السودانية في طريقهم إلى الحدود الجنوبية، ضمن برنامج منظم لإعادة المواطنين السودانيين الراغبين في العودة الطوعية إلى وطنهم.
ووفق بيانات الهيئة، فقد بلغ إجمالي عدد الركاب الذين تم نقلهم حتى ذلك التاريخ نحو 24 ألفًا و704 ركاب، وسط جهود مكثفة لتوفير الرعاية اللوجستية والخدمات الإنسانية اللازمة لهم بالتنسيق مع مختلف الجهات المعنية.

غير أن التطورات الميدانية الأخيرة في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، تسببت في تعليق هذه الرحلات مؤقتًا، بعد أن شهدت المنطقة تصعيدًا عسكريًا واسعًا وانسحابًا للجيش السوداني وسيطرة قوات الدعم السريع على معظم المرافق الحكومية والعسكرية داخل المدينة، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية وتعطيل طرق الإمداد والنقل البري التي تربط شمال وغرب السودان بالمناطق الوسطى والعاصمة الخرطوم.

 أزمة إنسانية خانقة في الفاشر

تعد مدينة الفاشر، التي كانت تمثل إحدى المحطات الحيوية في طريق العودة البرية للسودانيين القادمين من مصر، بؤرة رئيسية للتصعيد العسكري بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع خلال الأسابيع الماضية. ومع انهيار خطوط الإمداد وانقطاع الاتصالات في أجزاء واسعة من الإقليم، باتت الطرق المؤدية إلى دارفور غير آمنة أمام حركة المدنيين واللاجئين، ما جعل السلطات المصرية تعلق مؤقتًا رحلات العودة لحين استقرار الأوضاع الميدانية وضمان سلامة العائدين.

وبحسب تقارير أممية، فإن الآلاف من المدنيين نزحوا من الفاشر خلال الأيام الأخيرة، فيما تفاقمت الأوضاع الإنسانية داخل المدينة بسبب الحصار ونقص الغذاء والدواء والمياه، الأمر الذي دفع منظمات الإغاثة إلى التحذير من "كارثة إنسانية وشيكة" إذا استمر القتال على الوتيرة نفسها.

 مصر... استمرار الدعم رغم التعليق المؤقت

ورغم تعليق الرحلات مؤقتًا، أكدت مصادر في **وزارة النقل المصرية** أن مشروع العودة الطوعية لم يُلغَ، بل توقف لأسباب أمنية تتعلق بالأوضاع داخل الأراضي السودانية، خصوصًا في المناطق التي تشكل مسارًا لرحلات العودة البرية.
وشددت المصادر على أن الجانب المصري يواصل التنسيق مع السلطات السودانية والجهات الدولية لتقييم الوضع الميداني، على أن تُستأنف الرحلات فور توافر ضمانات الأمان للعائدين.

كما أوضحت الهيئة القومية لسكك حديد مصر أن جميع الاستعدادات اللوجستية لا تزال قائمة، وأنها على أتم الجاهزية لاستئناف تسيير القطارات المخصصة لنقل الأسر السودانية فور تلقي الضوء الأخضر من الجهات المعنية، مشيرةً إلى أن مصر ملتزمة بمواصلة دعمها الإنساني للأشقاء السودانيين سواء داخل أراضيها أو في أثناء عودتهم.

مبادرة «العودة الطوعية»... نموذج للتعاون الإنساني

منذ انطلاقها، شكلت مبادرة «العودة الطوعية للسودانيين» واحدة من أبرز صور التعاون الإنساني بين البلدين، إذ وفرت الدولة المصرية عبر وزارة النقل والهيئة القومية لسكك حديد مصر رحلات مجانية ومنظمة انطلقت من القاهرة مرورًا بأسوان وصولًا إلى معبر قسطل–أرقين الحدودي.
وخلال تلك الرحلات، جرى تأمين المسافرين وتوفير الخدمات الطبية والغذائية والإيوائية، بما يعكس عمق العلاقات التاريخية التي تربط الشعبين المصري والسوداني، واستمرار التزام القاهرة بتخفيف معاناة المتضررين من النزاع الدائر في السودان.

الطريق إلى الاستئناف

ويرى مراقبون أن استئناف الرحلات يرتبط ارتباطًا مباشرًا بتحسن الوضع الأمني في شمال دارفور، ولا سيما في مدينة الفاشر التي تشكل معبرًا بريًا رئيسيًا نحو وسط وغرب السودان. كما أن استمرار القتال هناك يجعل من الصعب ضمان وصول العائدين بسلام إلى مناطقهم، وهو ما دفع السلطات المصرية إلى اتخاذ قرار احترازي حفاظًا على أرواح المدنيين.

وفي الوقت نفسه، تواصل مصر، عبر مؤسساتها المختلفة، تقديم المساعدات والإغاثة للسودانيين المقيمين داخل أراضيها، إلى جانب التنسيق مع المنظمات الدولية لتأمين ممرات إنسانية آمنة داخل السودان، تمهيدًا لاستئناف عمليات العودة بمجرد استقرار الأوضاع.

وبينما يترقب آلاف السودانيين المقيمين في مصر تحسن الظروف الأمنية لاستئناف رحلات العودة إلى وطنهم، تبقى الأزمة في الفاشر مؤشرًا على عمق التحديات التي تواجه السودان في طريقه نحو السلام والاستقرار، وتؤكد في الوقت نفسه استمرار الدور المصري في دعم الشعب السوداني في محنته الإنسانية.