هناك مسلسلات تنتهي وخلاص تنتهي حكايتها مع تتر النهاية

وهناك مسلسلات اخرى مثل ارابيسك تظل حاضرة معك لان اسامة انور عكاشة الله يرحمه لم يكن يكتب للتسلية بل كان يكتب تشخيصا لحالتنا كمصريين

انا اريد ان اتوقف معكم عند مشهد واحد فقط مشهد فيلا الدكتور برهام

هل تتذكرونه

الدكتور المثقف الذي اراد ان يبني فيلا تجمع الحضارة المصرية كلها فكرة عظيمة في ظاهرها لكنه ماذا فعل

ذهب الى تقسيمها

قال هنا ركن فرعوني وهنا يوناني وهنا روماني وهنا قبطي وهنا عربي وكأن تاريخ مصر مجموعة شقق منفصلة بجوار بعضها البعض وكل غرفة لها بابها الخاص

والنتيجة المنطقية ان الفيلا سقطت وانهار البناء كله

لماذا احكي هذه الحكاية الان

لان ما حدث للفيلا هو بالضبط ما حاول البعض ان يفعله في مصر

دعونا نكون صريحين

كانت هناك محاولات للتقسيم وفشلت

في البداية حاولوا تقسيمنا على اساس الدين

لعبوا لعبة خطيرة مسلم ومسيحي حاولوا ان يقنعوك ان جارك الذي عاش امامك خمسين عاما هو عدوك لكنهم نسوا ان هذا الشعب هو نفسه الذي قال الدين لله والوطن للجميع في عام 1919 وهو الشعب الذي حمل فيه المسلم صليب اخيه وحمى فيه المسيحي مسجد اخيه فسقطت ورقة الطائفية

ثم ماذا حدث

عندما فشلت ورقة الدين انتقلوا الى السياسة

بعد عام 2011 رأينا جميعا هذا المشهد معسكران يتصارعان في الشارع اسلامي ضد علماني وثوري ضد دولة لغة من التخوين والكراهية وكان المطلوب ان تتحول مصر الى حرب اهلية وان يصبح الشارع المصري مشابها لما حدث في ليبيا وسوريا لا قدر الله

وهنا بالضبط يجب ان نقف احتراما

لان الذي منع هذا السيناريو من ان يتحول الى واقع كان حائط الصد الذي لم يستطيعوا هدمه المؤسسة العسكرية المصرية

الجيش المصري اثبت انه ليس جيش سلطة بل جيش شعب

وعندما وصلت الامور الى الحافة وعندما كان الدم المصري قاب قوسين او ادنى كان هو الذي انحاز الى وحدة الصف وكان هو الذي حافظ على الدولة من السقوط

ولولا هذا القرار التاريخي بالحفاظ على وحدة الصف لكنا اليوم نتحدث عن وطن اسمه مصر باعتباره ذكرى

فشلوا دينيا وفشلوا سياسيا

فما الحل

الحل الجديد هو الاخطر

معركة الهوية

نفس اللعبة ولكن بثوب جديد

لم يعد يقول لك انت مسلم ام مسيحي بل اصبح يقول لك انت كيمتي اولا وانت قبطي اولا وانت عربي اولا

كانك مطالب حتى تثبت اصلك ان تتبرأ من بقية اصولك وان تختار جدا واحدا من اجدادك وتتنكر للباقين

وهنا يقع الفخ

لانك عندما تدخل في صراع مع اخيك المصري حول ما اذا كنت فرعونيا او عربيا فانت لا تنتصر للتاريخ بل تمزق جزءا من حاضر بلدك

الخلاف التاريخي يمكن ان يتحول الى تعصب والتعصب يمكن ان يتحول الى انقسام والانقسام هو الهدف الذي يسعى اليه من يريد اضعاف هذا الوطن

وانا هنا لا اتحدث عن باحث حقيقي يحب التاريخ ويسعى الى فهمه

انا اتحدث عن خطاب ممنهج على وسائل التواصل الاجتماعي

فيديو مبتور ومعلومة ناقصة وكلمة خارج سياقها ورواية انتقائية

والهدف ان يجعلك تكره جزءا من تاريخك او تنظر الى جزء من ابناء وطنك باعتباره غريبا عنك

ولهذا فان معركة الهوية لم يكن من الممكن ان نخوضها ونحن في حالة ضعف او فوضى

وهنا يأتي دور المرحلة التي نعيشها اليوم مرحلة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي حفظه الله

لان معركة الهوية تحتاج الى دولة قوية ومستقرة وليست دولة مهددة بالسقوط

ما حدث خلال السنوات العشر الماضية هو ان مصر استعادت تماسكها

عادت من حافة الانهيار

استقر الامن بعد سنوات من الفوضى واعيد بناء مؤسسات الدولة واطلقت مشروعات قومية اعادت للمصري قدرا من الثقة في نفسه وفي قدرة بلده على البناء بعد ان كان يشعر ان وطنه يضيع من بين يديه

والاهم من كل ذلك ان مصر استعادت جانبا كبيرا من حضورها الاقليمي

مصر التي كانت مهددة بان تصبح دولة هامشية تتلقى التعليمات عادت لتكون رقما صعبا في معادلة الشرق الاوسط

صوتا مؤثرا في القضية الفلسطينية

وصمام امان في محيطها الاقليمي

وطرفا حاضرا في ملفات ليبيا والسودان

ودولة يعرف الجميع وزنها عندما يتعلق الامر باستقرار المنطقة

وهذه الريادة ليست رفاهية

هذه ايضا جزء من الهوية

فشعور المصري بقيمة بلده يرتبط ايضا بمدى قوة هذا الوطن واحترام العالم له

فيلا الدكتور برهام سقطت لانه فصل مكوناتها عن بعضها

ومصر

مصر ليست غرفا منفصلة

مصر بيت واحد

بيت بناه اجدادنا عبر الاف السنين

فرعوني على قبطي على عربي

وتشكلت داخله حضارات وثقافات وتجارب انسانية متراكمة حتى اصبح الناتج النهائي شيئا واحدا اسمه المصري

وحماه جيشه من السقوط

ويعيد بناء مجده اليوم بقيادة وطنية تدرك قيمة هذا البيت

فحافظوا على البيت

لا تجعلوا التاريخ سببا للانقسام

ولا تسمحوا لاحد ان يقنعكم ان الاعتزاز بجزء من تاريخ مصر يتطلب انكار الجزء الاخر

مصر ليست في حاجة الى ان تختار بين ماضيها

لان ماضيها كله جزء منها

انا مصري

وهذه ليست هوية تختصر الاف السنين

بل هوية احتوت الاف السنين