حرائق الغابات في أوروبا.. من قلب الغابات إلى أبواب المنازل، لم تعد حرائق الغابات في أوروبا مجرد ظاهرة موسمية تتكرر مع ارتفاع درجات الحرارة، بل تحولت إلى أزمة بيئية وإنسانية عابرة للحدود. ففي صيف يزداد سخونة وجفافًا، تشتعل مساحات واسعة من القارة، بينما يجد آلاف السكان أنفسهم أمام خيار واحد: مغادرة منازلهم والفرار من ألسنة اللهب والدخان.

حرائق الغابات في أوروبا 

وتكشف البيانات الأوروبية حجم الخطر؛ فقد شهد الاتحاد الأوروبي خلال عام 2025 أسوأ موسم حرائق غابات مسجل في تاريخه، بعدما التهمت النيران نحو 1.08 مليون هكتار، أي مساحة تقارب مساحة جزيرة قبرص.

وفي عام 2026، لم تتراجع المخاطر، ووفق أحدث بيانات متاحة من نظام معلومات حرائق الغابات الأوروبي EFFIS، تجاوزت المساحات المحترقة في الاتحاد الأوروبي 254 ألف هكتار حتى 22 يوليو، فيما جرى رصد أكثر من 1,250 حريقًا كبيرًا.

وتستند هذه الأرقام إلى الحرائق التي تتجاوز مساحتها 30 هكتارًا وتضم، ولو جزئيًا، مناطق غابات.

عندما تتحول العطلة الصيفية إلى عملية إجلاء

في أغسطس 2026، امتدت موجة الحرائق إلى عدد من الوجهات السياحية الأوروبية، من فرنسا وإسبانيا إلى اليونان وكرواتيا وألمانيا.

واضطر آلاف الأشخاص إلى مغادرة مناطقهم، فيما أُجلي سكان وسياح من مناطق ساحلية ومنتجعات سياحية مع اقتراب النيران بسرعة من التجمعات السكنية.

وفي كرواتيا، أسفر حريق قرب أوميش عن وفاة شخص وإصابة عشرات آخرين، بينما أُجلي نحو 1,200 شخص.

وفي اليونان، اضطر مئات الأشخاص إلى مغادرة منتجع سيفيري بالقوارب بعد اقتراب النيران من المنطقة.

كما شهدت فرنسا وألمانيا عمليات إجلاء للسكان بسبب تقدم الحرائق.

أما في إسبانيا، فقد التهم حريق في منطقة هويلفا نحو 31 ألف هكتار، مع إجلاء مئات السكان، في مشهد يعكس قدرة النيران على التحول خلال ساعات من حريق في منطقة غابات إلى تهديد مباشر للقرى والمنازل والبنية التحتية.

المواطن هو الخاسر الأول

الخطر لا يبدأ عندما تصل النيران إلى المنازل، بل قبل ذلك بكثير.

فالدخان الناتج عن الحرائق يحمل جسيمات دقيقة وملوثات يمكن أن تتسلل إلى الجهاز التنفسي، وتزيد من مخاطر أمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية.

وتشير الوكالة الأوروبية للبيئة إلى أن دخان حرائق الغابات يرتبط بزيادة الوفيات والمضاعفات التنفسية، كما يمكن أن يؤدي التعرض للدخان إلى تفاقم الربو وزيادة الحاجة إلى دخول المستشفيات. وتكون المخاطر أكبر على الأطفال وكبار السن والحوامل ومرضى الجهاز التنفسي والعاملين في الهواء الطلق وفرق الإنقاذ.

ولا يقتصر الضرر على الصحة الجسدية؛ فالعيش تحت تهديد الإخلاء، وفقدان المنزل أو الممتلكات، والخوف المستمر من عودة النيران، كلها عوامل تضيف عبئًا نفسيًا على السكان والمجتمعات المتضررة.

ماذا تخسر أوروبا عندما تحترق الغابات؟

الخسائر لا تتوقف عند الأشجار. فالحرائق تدمر النظم البيئية، وتهدد التنوع البيولوجي، وتؤثر في جودة الهواء والمياه والتربة، كما تطلق كميات كبيرة من الغازات الدفيئة التي تزيد من تعقيد أزمة المناخ.

وتقدر الوكالة الأوروبية للبيئة أن متوسط المساحة التي احترقت سنويًا في الاتحاد الأوروبي بين عامي 2000 و2024 بلغ نحو 3,772 كيلومترًا مربعًا، بينما بلغت الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالحرائق في المتوسط نحو 2.5 مليار يورو سنويًا. كما كان نحو 8.5 مليون شخص يعيشون في المتوسط على بعد خمسة كيلومترات من المناطق التي تعرضت للحرائق خلال الفترة نفسها.

وفي عام 2022 وحده، وصل عدد الأشخاص الذين كانوا يعيشون على بعد خمسة كيلومترات من مناطق الحرائق إلى قرابة 22 مليون شخص، أي نحو 5% من سكان الاتحاد الأوروبي، وهو أعلى مستوى سجلته البيانات حتى ذلك الوقت.

لماذا تشتعل أوروبا بهذا الشكل؟

الحرائق ليست نتيجة عامل واحد. لكن ارتفاع درجات الحرارة، والجفاف، وجفاف الغطاء النباتي، والرياح، كلها تخلق الظروف المثالية لانتشار النيران بسرعة.

ويشير علماء المناخ الأوروبيون إلى أن تغير المناخ يزيد من شدة وتكرار الظروف الحارة والجافة التي تساعد على اندلاع وانتشار الحرائق، كما يؤدي إلى إطالة موسم خطر الحرائق ودفعه تدريجيًا نحو مناطق في وسط وشمال أوروبا لم تكن تاريخيًا معرضة للمستويات نفسها من الخطر.

واللافت أن الخطر لم يعد محصورًا في جنوب القارة. ففرنسا وإسبانيا واليونان والبرتغال وإيطاليا تظل من أكثر المناطق تعرضًا، لكن موجات الحر والجفاف دفعت الحرائق أيضًا إلى مناطق في وسط وشمال أوروبا، ما يعني أن خريطة الخطر نفسها آخذة في الاتساع.

2026.. موسم لم ينتهِ بعد

وبينما كانت المساحات المحترقة في الاتحاد الأوروبي حتى 22 يوليو أقل قليلًا من المستوى المسجل في الفترة نفسها من عام 2025، فإنها ظلت أعلى من متوسط السنوات العشرين السابقة. والأخطر أن موسم الحرائق لا يزال مستمرًا، فيما شهدت أوروبا خلال أغسطس موجات حر شديدة ودرجات حرارة قياسية أو شبه قياسية في عدد من الدول.

وفي فرنسا، على سبيل المثال، شهدت البلاد موجة حر طويلة، بينما سجلت بريطانيا في أغسطس درجة حرارة بلغت 38.1 درجة مئوية في لندن، بالتزامن مع اندلاع حرائق في مناطق مختلفة من القارة.

أزمة مناخية أم أزمة استعداد؟

السؤال الذي تفرضه الحرائق الأوروبية لم يعد فقط: متى سيندلع الحريق المقبل؟ وإنما: هل تستطيع المدن والمجتمعات الأوروبية حماية سكانها عندما تصبح الحرائق أكثر سرعة واتساعًا؟.

فمع ارتفاع درجات الحرارة وطول مواسم الجفاف، يصبح الاعتماد على فرق الإطفاء وحدها غير كافٍ. المطلوب يمتد إلى إدارة الغابات، وتنظيف المناطق القابلة للاشتعال، وتحسين أنظمة الإنذار المبكر، ووضع خطط إجلاء أكثر كفاءة، وحماية الفئات الأكثر تعرضًا للدخان، إلى جانب معالجة السبب الأكبر وراء تفاقم الظروف المناخية: ارتفاع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

وفي النهاية، فإن صورة الغابة المحترقة ليست مجرد مشهد بيئي مؤلم؛ إنها إنذار مباشر بأن أزمة المناخ باتت تطرق أبواب المواطنين أنفسهم.

فكل هكتار تحترق مساحاته قد يعني منزلًا مهددًا، أو أسرة نازحة، أو هواءً ملوثًا، أو مصدر رزق مفقودًا. 

ومع استمرار ارتفاع الحرارة والجفاف، يبدو أن المعركة الأوروبية مع النيران لن تكون معركة صيف واحد، بل تحديًا طويل الأمد لمستقبل القارة وسلامة سكانها.