ليس المطلوب أن نتفق مع أيمن منصور ندا.. المطلوب أن ندافع عن حقه في أن يختلف فهناك شيء مقلق في الطريقة التي استُقبلت بها مقالات الدكتور أيمن منصور ندا الأخيرة عن حمدين صباحي وعمرو موسى.

المشكلة ليست في أن يختلف البعض مع ندا؛ فهذا أمر طبيعي، بل صحي، بل هو جوهر المجال العام.

والمشكلة ليست كذلك في أن يرى البعض أن مقاله عن حمدين صباحي لم يكن منصفًا، أو أن بعض استنتاجاته قابلة للنقاش، أو أن أسلوبه الساخر لم يعجبهم، كل ذلك مشروع.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتراض على مضمون المقال إلى اعتراض على حق صاحبه في كتابة المقال أصلًا.

فإذا كنا نؤمن بأن الشخصيات العامة، خصوصًا تلك التي مارست العمل السياسي لعقود، ليست فوق النقد، فإن الدكتور أيمن منصور ندا لا يحتاج إلى إذن من أحد كي يقول رأيه فيها.

حمدين صباحي شخصية عامة.

وعمرو موسى شخصية عامة.

وغيرهما من السياسيين والإعلاميين والمثقفين شخصيات عامة.

ومن حق الجمهور أن يسمع روايات متعددة عنهم، ومن حق الكتاب والباحثين أن يختلفوا في تقييم تجربتهم، ومن حق القارئ في النهاية أن يختار الرواية التي يقتنع بها، لا قداسة في السياسة

الخطأ الأول في بعض الهجوم على ندا هو التعامل مع الشخصيات التي تناولها وكأنها أصبحت، بفعل التاريخ أو الشعبية أو النضال السياسي، خارج نطاق النقد.

وهذه فكرة خطيرة.

فحمدين صباحي، مثلًا، يمكن أن يكون صاحب تاريخ سياسي محترم في نظر البعض، ويمكن أن يكون آخرون مختلفين جذريًا مع خياراته ومواقفه.

والأمر نفسه ينطبق على عمرو موسى.

الاحترام لا يعني الحصانة.

والتقدير لا يعني منع النقد.

والتاريخ السياسي لا يمنح صاحبه شهادة إعفاء دائمة من المساءلة، بل ربما يكون العكس هو الصحيح:

كلما زاد حضور الشخص في المجال العام، زادت مسؤوليته أمام النقد العام.

الاختلاف مع ندا ليس اتهامًا لندا

يمكن أن تقول للدكتور أيمن منصور ندا:

أنت أخطأت هنا.

استنتاجك غير دقيق هناك.

تجاهلت هذه الواقعة.

أعطيت هذه الشخصية أكثر مما تستحق أو أقل مما تستحق.

استخدمت السخرية في موضع لا تحتملها فيه الوقائع.

كل ذلك نقد محترم ومشروع، لكن أن تنتقل من مناقشة أفكار الرجل إلى الطعن في حقه في التعبير، أو تصوير مجرد اختلافه مع شخصية عامة باعتباره موقفًا مشبوهًا، فهنا نكون قد غادرنا ميدان النقد ودخلنا ميدان حراسة الآراء.

والفرق كبير.

من حق ندا أن يخطئ

هناك قاعدة بسيطة يبدو أننا نسيناها:

حرية الرأي لا تعني الحق في أن تكون دائمًا على صواب.

لو كان مسموحًا للكاتب بالتعبير فقط عندما يكون تحليله صحيحًا بنسبة 100%، فلن يكتب أحد.

ولو كان من حقنا منع المقالات التي نختلف معها، فلن يبقى في المجال العام إلا الرأي الأقوى نفوذًا.

وهذا ليس نقاشًا عامًا.

هذه وصاية.

والأصل أن نرد على المقال بمقال، وعلى الحجة بحجة، وعلى الواقعة بواقعة.

لا أن نحاول إسكات صاحبها أخلاقيًا أو سياسيًا لمجرد أنه لمس شخصية نكن لها احترامًا.

المفارقة الأكبر

المفارقة أن بعض مهاجمي ندا يمكنهم هم أنفسهم أن يكتبوا نقدًا أشد قسوة لحمدين صباحي من مقال ندا، وهو ما أشار إليه أحد الردود على المقال بالفعل، عندما انتقل من الدفاع عن حمدين إلى مناقشة اختياراته السياسية وفشل مشروعه التنظيمي والسياسي.

إذن القضية ليست:

هل يجوز نقد حمدين؟

الإجابة الواضحة: نعم.

وليست:

هل يجوز نقد عمرو موسى؟

الإجابة أيضًا: نعم.

القضية الحقيقية هي:

هل نقبل النقد عندما يأتي من شخص نتفق معه، ونرفضه عندما يأتي من شخص نختلف معه؟

إذا كانت الإجابة نعم، فالمشكلة ليست في أيمن منصور ندا.

المشكلة فينا نحن، لا تحولوا الشخصيات العامة إلى «مقدسات مدنية»، السياسة لا تحتاج إلى أصنام جديدة، ولا تحتاج إلى تحويل بعض الشخصيات التاريخية إلى رموز لا يجوز الاقتراب منها.

حمدين صباحي له أنصاره، وله خصومه.

عمرو موسى له إنجازاته، وله منتقدوه.

وأيمن منصور ندا نفسه له قراء يقدرون كتاباته، وله آخرون يختلفون معه، وهذا طبيعي.

أما غير الطبيعي فهو أن يصبح احترام الشخصيات العامة شرطًا لممارسة حق النقد، الشخصية العامة ليست ملكًا لأنصارها، وتاريخها ليس ملكًا لها.

بل يصبح جزءًا من الذاكرة العامة، ومن ثم يصبح قابلًا للقراءة وإعادة التقييم والنقد.

لا ندافع عن ندا لأنه لا يخطئ، وأنا هنا لا أدافع عن كل جملة كتبها أيمن منصور ندا، ولا أقول إن كل ما كتبه عن حمدين صباحي أو عمرو موسى صحيح.

ولا أرى أن الكاتب فوق النقد، على العكس تمامًا، أنا أدافع عن حقه في أن يُنتقد لأنه كتب، لا أن يُهاجم لأنه تجرأ على الكتابة.

وهذا فارق جوهري.

فمن حق أيمن منصور ندا أن يقول رأيه.

ومن حق حمدين صباحي أن يرد.

ومن حق عمرو موسى أن يرد.

ومن حق أنصار الرجلين أن يختلفوا مع ندا.

ومن حق الآخرين أن يدافعوا عنه.

ومن حق القارئ أن يرفض الجميع.

هكذا تعمل الحياة العامة.

المعركة الحقيقية

المعركة ليست بين أيمن منصور ندا وحمدين صباحي.

وليست بين ندا وعمرو موسى.

المعركة الأهم هي بين ثقافتين:

ثقافة ترى أن الشخصيات العامة تُناقش وتُنتقد وتُراجع،

وثقافة ترى أن بعض الشخصيات، بسبب تاريخها أو شعبيتها أو مكانتها، ينبغي أن تحاط بسياج من الحماية الرمزية.

وأنا أرى أن الثقافة الأولى هي التي تصنع مجتمعًا سياسيًا ناضجًا.

لأن المجتمع الذي يخاف من نقد سياسييه، سيخاف غدًا من نقد مسؤوليه، ثم إعلامييه، ثم مفكريه، ثم مؤسساته.

وفي النهاية لن يبقى من «الحوار العام» إلا التصفيق.

كلمة أخيرة

يمكن أن نختلف مع أيمن منصور ندا، بل ربما يجب أن نختلف معه إذا رأينا في كلامه خطأ، لكن علينا أن نختلف معه بالطريقة نفسها التي نطالبه بها عندما ينتقد الآخرين:

بالحجة، والوقائع، والرد، والمناقشة.

لا بالتخوين.

ولا بمحاكمة النوايا.

ولا بتحويل الكاتب إلى متهم لأنه اقترب من شخصية نحبها.

فالديمقراطية لا تُقاس فقط بقدرتنا على التعبير عن آرائنا، وإنما بقدرتنا على تحمل آراء الآخرين عندما لا تعجبنا.

والشخصيات العامة التي نحبها لا تحتاج إلى منع الآخرين من نقدها.

إذا كانت تجربتها قوية، فستدافع عن نفسها.

وإذا كانت الرواية التي يقدمها عنها الآخرون خاطئة، فليكن الرد عليها أقوى منها.

أما إسكات الناقد، فلن يثبت أبدًا أن الشخصية كانت على حق.

بل قد يثبت فقط أننا لم نتعلم بعد كيف نختلف.