في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية حول العالم، تبرز فنزويلا وجرينلاند كمحورين رئيسيين للصراعات الدولية الحديثة، حيث تتداخل مصالح الطاقة والممرات البحرية والمعادن النادرة مع الاستراتيجيات الاقتصادية والسياسية الكبرى. وتسعى القوى العالمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى التحكم في الموارد الحيوية لهذه المناطق لضمان الهيمنة على أسواق النفط والتجارة العالمية، مع ما يصاحب ذلك من تبعات مباشرة على الدولار وسلاسل الإمداد الدولية.

ويكشف هذا الحوار مع القبطان عمرو قطايا الخبير البحري، تفاصيل الصراعات الحالية، من النفط الفنزويلي إلى المضايق البحرية الاستراتيجية، مستعرضًا الأبعاد الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تشكل معالم النظام العالمي الجديد

ما هو الوضع الحالي فيما يتعلق بفنزويلا؟


الموضوع الخاص بفنزويلا يتعلق بسيطرة أمريكا على البترول هناك، وليس بحجة المخدرات أو الإرهاب كما يزعم البعض. الهدف الرئيسي هو التحكم في الحكومة هناك بحيث تعود الشركات الأمريكية للعمل في قطاع النفط الفنزويلي بعد أن تم تأميمه في عهد هوغو شافيز.

وما هو الهدف من هذه السيطرة؟


السيطرة على البترول الفنزويلي تتيح لأمريكا التحكم في صادراته إلى أي دولة، سواء كانت الصين أو أمريكا نفسها أو أي مكان آخر، مما يعزز هيمنة الدولار ويضمن استمرار نظام "البترودولار" في العالم، خاصة بعد تحول الصين وفنزويلا إلى التعامل باليوان، وإيران إلى اليورو، وتهديد السعودية بالتعامل بعملات أخرى غير الدولار.

ما مدى أهمية البترول الفنزويلي عالميًا؟


فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، وتليها السعودية. لذلك، السيطرة على النفط الفنزويلي تمثل أداة قوية للحفاظ على قيمة الدولار والتحكم في التجارة العالمية للطاقة، بالإضافة إلى التأثير على الصين، التي تستورد نحو 90% من النفط الفنزويلي.

هل هناك أسباب أخرى وراء هذه التحركات الأمريكية؟


نعم، بخلاف النفط والدولار، هناك أسباب تتعلق بالتحكم في أسواق الطاقة عالميًا، وإمكانية مواجهة أي حروب محتملة في منطقة الخليج، التي قد تؤثر على تدفق البترول من السعودية وإيران وبقية دول الخليج. السيطرة على النفط الفنزويلي تتيح لأمريكا الاحتياط عند حدوث أي أزمة في هذه المنطقة.

وماذا عن جرينلاند؟ لماذا انتقلت أمريكا إلى التركيز عليها بعد فنزويلا؟


جرينلاند جزيرة دنماركية بمساحة 2 مليون كيلومتر مربع، وقليلة السكان (حوالي 56 ألف نسمة)، لكنها غنية بالموارد الطبيعية مثل النفط والغاز واليورانيوم والذهب والمعادن النادرة. السيطرة عليها تمنح النفوذ في الممر الملاحي القطبي الشمالي، الذي تسيطر عليه الصين وروسيا، إضافة إلى التحكم في موارد استراتيجية تدخل في الصناعات التكنولوجية الحديثة.

وما علاقة ذلك بالسياسة الدولية؟


هذا التحرك يضع الاتحاد الأوروبي في موقف حساس، لأن جرينلاند تابعة للدنمارك. أي تصرف أمريكي هناك قد يثير توترات بين أوروبا والولايات المتحدة، خاصة في وقت تعاني فيه القارة من تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية.

هل يمكن اعتبار الوضع الحالي حربًا عالمية ثالثة؟


الحرب العالمية بالفعل موجودة، لكنها ليست بالطريقة التقليدية التي عرفناها في الحروب الأولى والثانية. اليوم، الحروب تُدار بالوكالة، عبر وكلاء، وموارد، وممرات ملاحية، وليس بالتصادم المباشر للجيوش، ومناطق الصراع تمتد من غزة وإيران واليمن إلى السودان وليبيا، وتشمل الصين وتايوان وفنزويلا، ما يشكل ملامح الحرب العالمية الحديثة في شكلها الجديد لعام 2026.

ما تأثير ذلك على التجارة العالمية؟


أكثر من 90% من التجارة العالمية تمر عبر الممرات البحرية والمضايق. أي تهديد لهذه الممرات، سواء في مضيق باب المندب أو هرمز أو البوسفور أو الممرات الشمالية، يؤدي إلى تعطيل سلاسل الإمداد، ارتفاع الأسعار، ونقص البضائع، ما ينعكس فورًا على التضخم العالمي.

وما هي الأزمات الحالية في البحر الأحمر وقناة السويس؟


مضيق باب المندب شهد خلال العامين الماضيين هجمات من الحوثيين، ما دفع الخطوط الملاحية الكبرى للابتعاد عن المرور من هناك وقناة السويس. مؤخرًا بدأت السفن بالعودة بنسبة حوالي 40%، لكن محاولات دولية وإقليمية للسيطرة على المدخل أعادت الوضع إلى دائرة القلق.

كيف تعاملت مصر مع هذه التوترات؟


مصر تحركت بسرعة واحترافية لحماية الممرات الحيوية مثل قناة السويس، من خلال التعاون مع دول المنطقة، ومراقبة المضايق الحيوية. الهدف الرئيسي هو منع أي دولة من التحكم الكامل في المضايق، لأن ذلك يهدد أمن القناة واستمرارية مرور السفن والبضائع.

وما هو الوضع الحالي في المنطقة؟


الوضع شديد السيولة والتطورات اليومية سريعة. لم يتضح بعد مدى تأثير الحشود العسكرية والتحركات في الخليج وإيران والممرات البحرية على التدفقات العالمية للطاقة والتجارة. الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد شكل النظام العالمي الجديد.

هل يمكن توقع المرحلة المقبلة؟


من الصعب جدًا التنبؤ بالمرحلة القادمة بسبب تسارع الأحداث وتداخل الصراعات في مناطق متعددة. كل ما يحدث من تحركات في فنزويلا، جرينلاند، الخليج العربي، مضائق بحرية، وأزمات في البحر الأحمر، يشكل جزءًا من النظام الجديد للصراع العالمي، ويحتاج لمراقبة دقيقة للتطورات اليومية.