لم تكن ثورة 30 يونيو ثورة عابرة في تاريخ الثورات التي شهدتها مصر لكنها كانت ثورة أنقذت مصر من السقوط في الهاويه، أنقذت مصر من مخطط التقسيم وضياع الثروات كانت ثورة شعبية خالصة، أدرك حينها هذا الشعب مدي خطورة ما تمر به مصر وقرر التمرد علي النظام الذي كان يحكم مصر آنذاك حتي استطاع هذا الشعب العظيم بمساندة جيشها العظيم إنقاذ مصر وتصحيح المسار.

في تاريخ الأمم أيامٌ لا تُقاس بالساعات، بل بمدى قدرتها على تغيير مجرى التاريخ وتحويل مسار الأوطان من حافة الهاوية إلى بر الأمان. وتطل علينا اليوم ذكرى ثورة الثلاثين من يونيو المجيدة، تلك الملحمة الشعبية الخالدة التي خرج فيها ملايين المصريين؛ ليرسموا بأيديهم خارطة طريق جديدة لوطن كاد أن يُختطف، معلنين، بوعي وإرادة، استعادة الهوية المصرية الأصيلة.

لم تكن ثورة 30 يونيو مجرد هبّة شعبية عابرة، بل كانت ثورة تصحيح وإصلاح، قادتها إرادة شعبية حاسمة، ودعمتها المؤسسة العسكرية الوطنية التي انحازت، كما اعتادت، إلى إرادة الشعب؛ لتنقذ الدولة من التفكك، وتبدأ في الوقت نفسه معركة أخرى شديدة التعقيد، تمثلت في اجتثاث الإرهاب من جذوره، بالتوازي مع إطلاق مسيرة التنمية الشاملة لبناء الجمهورية الجديدة.

وفي هذه المناسبة، تفتح «خمسة سياسة» ملفات الذاكرة، وتستقرئ الحاضر والمستقبل، في حوار خاص مع اللواء الدكتور سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، وأحد أبرز الشهود على هذه المرحلة المفصلية؛ للحديث عن التحولات التي شهدتها الدولة المصرية، وكيف تمكنت من تجاوز التحديات، وإعادة رسم مكانتها إقليمياً ودولياً.

 

■ كيف غيّرت ثورة 30 يونيو الخريطة الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط؟

ثورة 30 يونيو غيّرت بالفعل الخريطة الاستراتيجية في المنطقة. وطبقاً لما ذكرته هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، في مذكراتها، فقد كان هناك اتفاق مع جماعة الإخوان على إنشاء إمارة إسلامية في غزة، مع إعادة منطقتي حلايب وشلاتين إلى السودان، إلى جانب ترتيبات أخرى كانت تهدف إلى سيادة الحكم الإسلامي على المنطقة بأكملها. وبالتالي جاءت ثورة 30 يونيو لتُفشل هذه المخططات، وتغيّر مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي كانت الولايات المتحدة تسعى إلى تنفيذه.

■ ما أبرز التحديات الأمنية التي واجهت القوات المسلحة مباشرة بعد الثورة؟


كان التحدي الأول والأخطر هو الإرهاب، وخاصة في سيناء، حيث استمرت المواجهة مع التنظيمات الإرهابية لمدة ست سنوات كاملة. وكانت المهمة بالغة الصعوبة، لكن القوات المسلحة نجحت في القضاء على الإرهاب، وتدمير أكثر من ألفي نفق، بالإضافة إلى تدمير كميات كبيرة من الأسلحة التي كانت بحوزة العناصر الإرهابية.

وأعتقد أن الدولة حققت نجاحاً كبيراً، كما أن العملية الشاملة استطاعت تحديد الأهداف والمهام بدقة، وكان نجاحها يُعد إنجازاً حقيقياً يُحسب لمصر في القضاء على الإرهاب في سيناء خلال السنوات التي أعقبت ثورة يونيو".

■ كيف يفسر العلم العسكري قرار الجيش بالانحياز للمطالب الشعبية في عام 2013؟

العلم العسكري يفسر انحياز الجيش للشعب بأن الجيش المصري هو جيش الشعب. والفرق بين الجيش الوطني وأي ميليشيات أو تنظيمات مسلحة أن الجيش المصري ولاؤه للدولة المصرية، وللدستور، ولرئيس الجمهورية، بينما نجد أن بعض التنظيمات المسلحة، مثل الحرس الثوري في بعض الدول، يكون ولاؤها للمرشد أو لقيادات تنظيمية.

ومن هنا جاءت أهمية استجابة الجيش لنداء الشعب. فعندما خرج أكثر من عشرين مليون مصري إلى الميادين، انحازت القوات المسلحة إلى إرادة الجماهير، ووقفت إلى جانب الشعب، واستجابت لمطالبه، لتنتهي بذلك مرحلة حكم المرشد.

 ■ كيف تنظر المؤسسة العسكرية إلى مفهوم الأمن القومي المصري خلال تلك المرحلة؟

الأمن القومي العسكري هو جزء من منظومة الأمن القومي المصري، التي تشمل الأمن السياسي، والاقتصادي، والعسكري، والثقافي، والشعبي. وبالتالي فإن القوات المسلحة تتحرك دائماً باعتبارها جزءاً من هذه المنظومة المتكاملة، وفي إطار منظومة الدولة والشعب المصري.


■ كيف أسهمت الثورة في تسريع خطة تنويع مصادر تسليح الجيش المصري؟

بعد ثورة 30 يونيو اتخذ الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً استراتيجياً بتنويع مصادر السلاح، لأن القوات المسلحة قبل الثورة كانت تعتمد بصورة كبيرة على السلاح الأمريكي، وهو ما كان يمثل نوعاً من التقييد في حال اندلاع أي حرب.

ولذلك نجحت الدولة في تنفيذ حلم طال انتظاره، وهو تنويع مصادر التسليح، ويُحسب للرئيس السيسي تحقيق هذا الإنجاز.


■ ما الأهمية الاستراتيجية لإنشاء القواعد العسكرية الجديدة؟

من أبرز الخطوات التي اتخذها الرئيس السيسي لتطوير القوات المسلحة إنشاء عدد من القواعد العسكرية الجديدة. ففي السابق لم تكن لدينا قواعد بهذا الحجم، أما اليوم فنمتلك أكبر قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط، وهي قاعدة محمد نجيب، التي تؤمّن الاتجاه الاستراتيجي الغربي، وتُعد الأكبر من حيث حجم القوات، كما تستوعب التدريبات العسكرية المشتركة.

وهناك أيضاً قاعدة 3 يوليو البحرية، التي تؤمن الملاحة البحرية وحقوق مصر في الغاز، بالإضافة إلى قاعدة برنيس على البحر الأحمر، التي تؤمّن خطوط الملاحة المؤدية إلى قناة السويس، أهم شريان ملاحي في العالم.

وأسهمت هذه القواعد جميعها في تعزيز منظومة الأمن القومي المصري، كما أصبحت القوات البحرية المصرية تُصنف ضمن أقوى ست قوات بحرية على مستوى العالم.

■ كيف نجحت الدبلوماسية المصرية في تحويل الموقف الدولي من التحفظ إلى الاعتراف؟

اليوم تتحدث مصر من موقع قوة، لأنها أصبحت تمتلك أكبر جيش عربي، وأكبر جيش في أفريقيا، ومن أقوى جيوش المنطقة، وهو ما وفر للدولة قوة ردع كبيرة، وساعد الدبلوماسية المصرية على تصحيح الصورة المغلوطة التي كانت تُروّج عن ثورة 30 يونيو.

■ ما كواليس إقناع القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بمشروعية مطالب الشعب المصري؟


ظهر ذلك بوضوح في أكثر من موقف. فعندما طرح الرئيس الأمريكي فكرة تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، كان رد الرئيس عبد الفتاح السيسي واضحاً بالرفض. وكذلك عندما طُرحت فكرة عبور السفن الأمريكية في قناة السويس مجاناً، جاء الرد أيضاً بالرفض.

واستند الرئيس في هذه المواقف إلى قوة الدولة، وإلى الدعم الشعبي الكبير، فهناك نحو 120 مليون مصري يقفون خلف رئيسهم، ويؤيدونه، ويتمسكون بدعمه، وهو ما منح الدولة قوة كبيرة في الدفاع عن مصالحها، وأدركت الولايات المتحدة أن الرئيس المصري يستند إلى ظهير شعبي واسع.


■ كيف أعادت الثورة رسم خريطة الشراكات الدولية لمصر؟


أعادت الثورة بناء الشراكات الدولية لمصر، لأن العالم أدرك أن الجيش المصري جيش قوي يقف إلى جانب شعبه، ويحظى بدعم جماهيري واسع، فلا يوجد بيت مصري إلا ويضم فرداً خدم في القوات المسلحة.

وبعد الثورة توسعت علاقات مصر مع روسيا والصين ودول الاتحاد الأوروبي، وشاهدنا مشاركة الرئيس السيسي في قمة مجموعة السبع (G7)، وكان من بين عدد محدود للغاية من القادة المدعوين من خارج المجموعة، وهو ما يعكس المكانة التي أصبحت تتمتع بها مصر، كما أن السياسة المتوازنة التي انتهجها الرئيس السيسي منحت الدولة ثقلاً كبيراً في المنطقة.

■ كيف استعادت مصر دورها في القارة الأفريقية بعد الثورة؟

لعبت ثورة 30 يونيو دوراً كبيراً في استعادة مصر مكانتها القيادية والريادية داخل الاتحاد الأفريقي. فقد كانت عضوية مصر مجمدة عند تولي الرئيس السيسي المسؤولية، وهو أمر كان يمثل مفارقة، لأن مصر من الدول المؤسسة للعمل الأفريقي.

ولذلك كانت أول زيارة خارجية للرئيس السيسي إلى مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، حيث نجح في استعادة عضوية مصر، وبعدها بعام واحد فقط تولت مصر رئاسة الاتحاد الأفريقي لمدة عام كامل، وهو ما أعاد مصر إلى أفريقيا، وأعاد أفريقيا إلى مصر.

■ كيف أسهمت الثورة في تحقيق الاستقرار السياسي والأمني؟

إذا نظرنا إلى خريطة المنطقة اليوم، سنجد أن مصر هي الدولة الوحيدة التي تتمتع بالاستقرار. فليبيا تعاني الانقسام، والسودان يشهد حرباً أهلية، واليمن يعيش صراعاً مستمراً، والعراق يواجه تحديات الميليشيات، ولبنان يعاني أزمات متلاحقة، وسوريا ما زالت تواجه انقسامات وسيطرة قوى مختلفة على أجزاء من أراضيها.

أما مصر فقد نجحت في الحفاظ على استقرارها السياسي والأمني، وهو ما يجعلها الدولة الأكثر استقراراً واتزاناً في منطقة الشرق الأوسط.

■ كيف تقيّم واقع الحريات السياسية بعد ثورة 30 يونيو؟

الدولة وفرت آليات لدمج جميع التيارات الوطنية. واليوم يوجد في مصر 104 أحزاب سياسية، وشاركت أعداد كبيرة منها في الانتخابات، كما أن عدداً منها ممثل داخل البرلمان ومجلس الشيوخ.

وهناك مساحة لإبداء الرأي، وللمعارضة، وللنقد، في إطار الحفاظ على الأمن القومي للدولة. ولذلك أعتقد أن ثورة 30 يونيو أسهمت في تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي، مع توفير مناخ يسمح بالممارسة السياسية والعمل الحزبي، وهو ما انعكس على المواطن المصري.