في زمن تتسارع فيه الأزمات وتتعدد فيه النزاعات، يبقى القانون هو الحصن الذي يحمي المجتمع من الإنزلاق إلى الفوضى، غير أن العدالة لا تقتصر على ساحات القضاء وحدها، بل تبدأ قبل ذلك بخطوة أكثر عمقاً وفاعلية، هي العدالة الوقائية. إنها العدالة التي تسبق الخصومة، وتمنح الحقوق قوتها القانونية منذ البداية، وتُحصّن العقود والملكية من الإنجراف إلى نزاع قد يستهلك الوقت والمال ويُضعف الثقة في النظام القانوني. العدالة الوقائية ليست مجرد إجراء قانوني، بل هي فلسفة تشريعية وممارسة عملية تستهدف حماية الحقوق قبل أن تتحول إلى نزاعات، فهي تمنح العقود حجيتها التنفيذية، وتُعطي الملكيات سندها القانوني عبر التوثيق والتسجيل والإشهار، لتصبح بذلك سياجاً يحمي المجتمع ويعزز الثقة في مؤسسات الدولة، ومن هنا تأتي أهميتها كأحد المسارات الرئيسية للعدالة، فلا يمكن أن تنجح العدالة القضائية أو الاجتماعية أو التنفيذية بمعزل عنها.
وزارة العدل دفعت خلال الأعوام الأخيرة بمسار إصلاحي يستهدف تحديث التشريعات وتبسيط الإجراءات، فجاء القانون رقم 9 لسنة 2022 ليضع إطاراً للتسجيل الشخصي للملكية العقارية، مانحاً المواطن سنداً قانونياً يحمي ملكيته ويحصّنها من أي نزاع محتمل، غير أن التجربة العملية كشفت أن الأداة الإصلاحية المنتظرة تحولت إلى منظومة مثقلة بالقيود، إذ بقيت نسب التسجيل في المدن القديمة ثابتة كما كانت قبل صدور القانون، رغم الضجة التشريعية وتدخل القيادة السياسية لإزالة العوائق، المواطنون اصطدموا بتشابك الهيئات وتعدد منافذ الرسوم، في تناقض مع فلسفة التبسيط وتوحيد المسارات، فانعكس ذلك عزوفاً واسعاً وفقداناً للثقة في جدوى النظام، ظل القطاع محصوراً في التوثيق، بينما غابت وظيفته الجوهرية في حماية الملكية وتنشيط السوق العقاري، هذا الجمود يحرم الإقتصاد من رافعة إستراتيجية ويعطل إستثماراً كان يمكن أن يفتح أبواب النمو، فيما دول أخرى جعلت من التسجيل العقاري منصة إنطلاق ووسيلة لتعظيم الثروة الوطنية، بينما نحن ما زلنا ندور في حلقة مفرغة، الأمر الذي يستدعي تدخلاً عاجلاً لإزالة القيود وإعادة الإعتبار لهذا الملف الحيوي بما يضمن الإستفادة القصوى منه.
وشهد ملف تسجيل الملكية في المجتمعات العمرانية الجديدة تعديلات جوهرية على قانون الشهر العقاري رقم 27 لسنة 2018، إذ أُدخلت آليات مبتكرة للتسجيل عبر الإيداع وتسليم الصكوك للمشترين، بما يعزز الثقة في السوق العقارية ويمنح دفعة قوية للإستثمار، ورغم نجاح وزارة العدل خلال السنوات الأخيرة في افتتاح مقرات حديثة داخل المدن الجديدة، فإن خطتها الطموحة لربط جميع المكاتب بشبكة موحدة مع الوزارات والجهات المعنية لم تُنفذ بعد، لتظل فكرة الاكتفاء ببطاقة الهوية الشخصية واستدعاء المستندات إلكترونياً مجرد وعد لم يتحقق على أرض الواقع.
وبرزت تجربة مكاتب تملك الأجانب في العاصمة الإدارية والعلمين كنموذج متطور يبرهن على قدرة الدولة على تحديث أدواتها، غير أن غياب الشبكة الرقمية الشاملة يضعف من أثر هذه النجاحات ويجعلها جزئية لا تكتمل بالصورة المرجوة، فالقوانين القائمة لا تحتاج إلى مزيد من التشريعات بقدر ما تتطلب تركيزاً إدارياً واهتماماً سياسياً يضمن تنفيذ ما إلتزمت به الحكومة في خططها، ويحول دون إستمرار التعثر في أهم الملفات الإستثمارية.
إن تجاهل استحقاق تسجيل الملكية في المجتمعات العمرانية، الذي يُعد من أيسر صور التملك وأكثرها وضوحاً، يمثل تقصيراً في إدارة ملف حيوي يرتبط مباشرة بجذب الاستثمارات وترسيخ الثقة في السوق العقارية. فالمطلوب ليس نصوصاً جديدة، بل إرادة حقيقية لتفعيل شبكة موحدة تُزيل العقبات وتفتح الطريق أمام منظومة تسجيل حديثة تليق بحجم الطموح العمراني الذي تشهده البلاد.
أما السجل العيني، فقد خُصص للأراضي الزراعية، حيث تُسجّل الملكية وفق المساحة والوصف، بما يضمن وضوح الحقوق ويُقلل من إحتمالات النزاع بين الملاك، ويُعد السجل العيني أحد الأعمدة الرئيسية في منظومة العدالة الوقائية، إذ يضفي على الملكية العقارية حجية قانونية مطلقة، ويُحصّنها ضد النزاعات، ويمنحها وضوحاً لا يقبل الجدل. غير أن التطبيق العملي لهذا النظام كشف عن ثغرات تشريعية وإجرائية تستوجب إعادة النظر، بما يواكب المرحلة الراهنة ويستجيب لمتطلبات التنمية العمرانية والإقتصادية.
إن إجراء تعديلات جوهرية على قانون السجل العيني لم يعد خياراً، بل ضرورة ملحّة، فالتشريع القائم منذ ستينيات القرن الماضي لم يعد قادراً على مواكبة حجم التوسع العمراني وتنوع الملكيات، ولا على استيعاب التغيرات الإقتصادية والإجتماعية التي يشهدها المجتمع ومن هنا تأتي أهمية تحديث القانون ليصبح أكثر مرونة، ويُزيل القيود التي تعوق عملية التسجيل، ويُقدّم التيسيرات اللازمة للمواطنين والمستثمرين على حد سواء، ويتطلب هذا الإصلاح الشامل تجهيز البنية التحتية وتهيئة مكاتب السجل العيني، بما يضمن سرعة الأداء ودقة الإجراءات، إلى جانب إدخال النظم الرقمية الحديثة التي تُسهّل عملية التسجيل وتُقلل من التعقيدات البيروقراطية، كما أن إزالة العقبات القانونية والإدارية التي تحول دون تمكين المواطنين من تسجيل ملكياتهم، يُعد خطوة أساسية لترسيخ الثقة في النظام العقاري، وتعزيز الأمن المجتمعي، ودعم الإستقرار الإقتصادي.
ولأن السجل العيني يخاطب مساحة واسعة من الأراضي والملكيات، فإن أثره يتجاوز مجرد تنظيم الملكية إلى كونه أداة إستراتيجية في دعم الإقتصاد الوطني، إذ يُشجع الإستثمار العقاري والزراعي، ويُقلل من النزاعات، ويُعظم الإيرادات عبر حماية الملكيات وتنظيمها. فالتسجيل العيني الدقيق والشفاف يُعد ضمانة حقيقية لإستقرار السوق العقارية، ويُرسخ بيئة قانونية آمنة تُواكب حركة الإصلاح والتنمية. إن تعديل قانون السجل العيني هو بمثابة إعادة صياغة لعقد الثقة بين المواطن والدولة، وإعادة بناء لمنظومة الملكية العقارية بما يتناسب مع متطلبات الجمهورية الجديدة، فهو ليس مجرد تعديل تشريعي، بل هو مشروع وطني يهدف إلى حماية الحقوق، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الإستثمار ، وصياغة مستقبل لإقتصاد وطني قوى أكثر استقراراً وعدلاً.
العدالة الوقائية ليست ترفاً قانونياً ولا خياراً ثانوياً، بل هي ضرورة وطنية ومجتمعية، تُحقق الأمن والاستقرار، وتُرسخ الثقة بين المواطن والدولة، وتُعزز مناخ الاستثمار والتنمية. وإذا كان القانون هو الميزان الذي يُفرّق بين الحق والباطل، فإن العدالة الوقائية هي البوصلة التي توجه المجتمع نحو الطريق القويم، وتمنع الانزلاق إلى النزاعات والفتن. إنها الوقاية التي تسبق العلاج، والدرع الذي يحمي الحقوق قبل أن تُهدد، والأساس الذي تُبنى عليه الجمهورية الجديدة بخطى ثابتة نحو مستقبل أكثر استقراراً وعدلاً، إنها السطر الأول في كتاب الإصلاح،والصفحة التي تُكتب بحروف من نور في سجل الوطن، لتبقى شاهداً على أن الوقاية حقاً خير من العلاج، وأن القانون حين يُصاغ بوعي ومرونة يصبح أداة للبناء لا مجرد وسيلة للفصل بين الخصوم، ويغدو صوتاً للحق، وميزاناً للعدل، ونبراساً يهدي المجتمع إلى برّ الأمان.
