لم تعد ملاعب كرة القدم في المغرب مجرد رقعة خضراء للتنافس الرياضي، بل تحولت في العقد الأخير إلى "ساحات عامة" بديلة، يصدح فيها شباب "الألتراس" برسائل تتجاوز حدود اللعبة لتلامس عمق القضايا السياسية والاجتماعية.. هنا، خلف لافتات "التيفو" وأصوات الطبول، يتشكل خطاب سياسي عفوي ومنظم في آن واحد، جعل من "المدرج" منصة للتعبير الأكثر صخباً وتأثيراً في الشارع المغربي. ​

​بدأت حركة الألتراس في المغرب (مثل "وينرز" الوداد و"جرين بويز" الرجاء) كحركات تشجيعية صرفة، لكن التحول الجذري حدث حين بدأت هذه المجموعات تشعر بأنها صوت من لا صوت له، في ظل تراجع دور الأحزاب التقليدية والوسائط السياسية الكلاسيكية، وجد الشباب في "الموفمون" (حركة الألتراس) فضاءً للحرية بعيداً عن الرقابة المؤسساتية.

 لم يعد "الكابو" (قائد المدرج) يكتفي بترديد أهازيج النصر، بل أصبح يوجه بوصلة الحناجر نحو انتقاد الغلاء، والبطالة، والفساد، والمطالبة بالعدالة الاجتماعية.. هذا الانتقال من "الرياضي" إلى "السياسي" لم يكن قراراً حزبياً، بل كان استجابة لواقع معيشي يفرضه ضغط الحياة اليومية على أعضاء هذه المجموعات الذين ينتمي أغلبهم للطبقات الكادحة والمتوسطة.

لا يمكن الحديث عن هذا الملف دون التوقف عند أغنية جمهور الرجاء البيضاوي "في بلادي ظلموني"، التي لم تكن مجرد أغنية مدرجات، بل تحولت إلى "مانيفستو" سياسي عابر للقارات.. الكلمات التي تقول: "عايشين في ذبابة.. حكومتنا قتلتنا بالوفا"، لخصت حالة من الاغتراب السياسي يشعر بها قطاع واسع من الشباب المغربي، هذه الأغاني واللافتات (التيفوهات) التي ترفعها جماهير الجيش الملكي، واتحاد طنجة، والمغرب الفاسي، وغيرها، تحمل في طياتها نقداً لاذعاً للسياسات العامة، وتتبنى قضايا قومية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، التي تظل القاسم المشترك والأقوى في "خطاب المدرجات". ​

هذا الصعود للخطاب السياسي داخل الملاعب وضع الألتراس في مواجهة مباشرة مع السلطات، فقد شهدت السنوات الماضية فترات من المد والجذب، وصلت إلى حد المنع المؤقت لرفع "التيفوهات" أو دخول الملاعب بقمصان المجموعات، تنظر السلطات بعين الريبة لهذا التنظيم القوي القادر على حشد الآلاف في دقائق، بينما يرى الألتراس أنهم مستهدفون بسبب وعيهم السياسي المستقل. ​

علاقة الألتراس في المغرب بالسياسة ليست علاقة "تحزب"، بل هي علاقة "احتجاج".. لقد أصبحت الملاعب "ترمومتراً" لقياس نبض الشارع، ومختبراً لصياغة شعارات سياسية تتلقفها منصات التواصل الاجتماعي لتصبح ترنداً وطنياً. في المغرب، لم تعد الكرة مجرد 90 دقيقة من اللعب، بل هي وقفة احتجاجية كبرى، تذكر الجميع بأن المدرجات قد تكون أقوى من قاعات البرلمان في إيصال صوت الشعب.