يبقى شهر رمضان المبارك في دولة الإمارات العربية المتحدة مناسبة استثنائية تتجلى فيها أصالة العادات والتقاليد الإماراتية، وتعكس عمق القيم الاجتماعية المتوارثة عبر الأجيال. فالشهر الفضيل لا يقتصر على كونه موسمًا للعبادة والصيام، بل يمثل محطة سنوية لتجديد صلات القربى وتعزيز التلاحم المجتمعي، حيث تمتزج الأجواء الإيمانية بالمظاهر الثقافية والاجتماعية التي تؤكد رسوخ الهوية الوطنية.
ويواصل معهد الشارقة للتراث أداء دوره في توثيق العادات الرمضانية ودراستها، والعمل على نقلها للأجيال القادمة، لما تحمله من مضامين إنسانية تعزز الترابط المجتمعي وتحافظ على الموروث الثقافي الإماراتي.
المجالس الرمضانية وطقوس الإفطار… إرث متواصل عبر الزمن
أكد الدكتور عبدالعزيز المسلم، رئيس معهد الشارقة للتراث، أن المجالس الرمضانية تُعد من أبرز المظاهر الاجتماعية خلال الشهر الكريم في الإمارات والمجتمعات العربية والإسلامية. ففي أعقاب صلاة التراويح، يجتمع الأهالي في مجالس عامرة بالحوار الثقافي والاجتماعي، حيث تتلاقى الحكمة مع النقاشات الهادفة في أجواء تسودها روح الألفة.
وفي الماضي، كانت هذه المجالس تُقام في البيوت الكبيرة أو تحت ظلال النخيل، بينما تطورت اليوم لتأخذ أشكالًا أكثر تنظيمًا ورسمية، دون أن تفقد جوهرها القائم على الكرم وحسن الضيافة.
أما المائدة الإماراتية الرمضانية، فتظل لوحة تراثية غنية بالأطباق التقليدية التي حافظت على حضورها عبر العقود، مثل الهريس، الثريد، اللقيمات، والفرني، إلى جانب التمر والقهوة العربية باعتبارهما رمزين أصيلين للضيافة. كما تحافظ بعض الأسر على عادة “الفوالة”، وهي صينية تضم أطباقًا رمضانية متنوعة تُرسل إلى الجيران، تعبيرًا عن قيم التكافل والتآخي.
القرآن الكريم والعبادات… ترسيخ للقيم في نفوس الأجيال
يحتل القرآن الكريم مكانة مركزية خلال رمضان في الإمارات، حيث يحرص أفراد المجتمع على تلاوته وختمه في المنازل والمساجد. وتشهد المساجد إقبالًا لافتًا على صلاتي التراويح والقيام، في مشهد يعكس عمق الارتباط بالقيم الدينية.
كما يحرص كبار السن على تعليم الصغار تلاوة القرآن وأحكامه، بما يرسخ المبادئ الدينية في نفوس الأجيال الجديدة ويعزز استمرارية الإرث الروحي.
التكيف مع الحداثة والحفاظ على الموروث
ورغم التطورات المتسارعة التي تشهدها الدولة، حافظت العادات الرمضانية الإماراتية على جوهرها الأصيل، مع قدرة واضحة على التكيف مع متغيرات العصر. فقد أسهمت المجالس الحديثة، وبرامج الإفطار الجماعي، والمبادرات الخيرية في ترسيخ قيم التواصل والكرم والروحانية، لتبقى مناسبة رمضان محطة جامعة للقلوب.
ويواصل معهد الشارقة للتراث تنظيم الفعاليات الثقافية والتراثية التي تسهم في صون الهوية الإماراتية، وضمان استدامة هذا الموروث العريق.
مظاهر رمضان في مدن الإمارات
تتجلى الأجواء الرمضانية في مختلف إمارات الدولة، من خلال الخيم الرمضانية التي تنتشر في المدن، وتوفر وجبات الإفطار للعمال وسكان الدولة الراغبين في المشاركة بالأجواء الجماعية. كما تتكامل هذه الجهود مع برامج “إفطار صائم”، وتوزيع “المير الرمضاني”، ومبادرات “كسوة العيد”، التي تستهدف الأسر محدودة الدخل.
وتترافق هذه المبادرات مع فعاليات دينية وثقافية وخيرية متنوعة، تعكس القيم الإنسانية التي يحملها الشهر الفضيل.
مبادرات رمضانية كبرى تعزز قيم العطاء
في جامع الشيخ زايد الكبير بأبوظبي، يتم تقديم نحو 35 ألف وجبة إفطار يوميًا داخل الجامع وساحاته، إضافة إلى توزيع 45 ألف وجبة يوميًا على المستفيدين خارج الموقع، مع تخصيص 70 سيارة كهربائية لنقل الصائمين.
كما يشهد جامع الشيخ خليفة بن زايد الكبير بمدينة العين تنفيذ مشروع “ضيوفنا الصائمون”، الذي يوفر 15 ألف وجبة إفطار يوميًا برعاية مؤسسة إرث زايد الإنساني، فيما تقدم مساجد الشارقة الكبرى آلاف الوجبات عبر 380 موقعًا موزعة على مناطق الإمارة.
وتُنظم هذه المبادرات بالتنسيق مع الهلال الأحمر الإماراتي والجهات الاتحادية والمحلية، لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بأسلوب منظم يعكس صورة الإمارات الإنسانية.
رمضان شهر الأصالة والتلاحم
يبقى رمضان في الإمارات مناسبة تتجسد فيها ملامح الهوية الوطنية، حيث تتكامل القيم الدينية مع العادات الاجتماعية في مشهد يؤكد عمق الجذور الحضارية للمجتمع الإماراتي. ويستمر معهد الشارقة للتراث في جهوده لتوثيق هذا الإرث ونقله للأجيال المقبلة، ليظل الشهر الكريم رمزًا للأصالة والكرم وروح التراحم.
ومع توارث هذه التقاليد جيلًا بعد جيل، تزهو الإمارات بعاداتها الراسخة، ويزدهر مجتمعها بروح التكافل الاجتماعي والسمو الروحي الذي يميز رمضان على مر العصور.
