أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، توافر النقد الأجنبي اللازم لتلبية احتياجات الدولة خلال الفترة الراهنة والمقبلة، مشدداً على أن مصر تتعامل مع تداعيات التصعيد العسكري في المنطقة من موقف اقتصادي أقوى مقارنة بالأزمات السابقة.
جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقده رئيس الوزراء اليوم بمقر الحكومة في العاصمة الإدارية الجديدة، بحضور عدد من الوزراء، بينهم أحمد كجوك وزير المالية، وشريف فاروق وزير التموين والتجارة الداخلية، وبدر عبد العاطي وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين في الخارج، وكريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية، وضياء رشوان وزير الدولة للإعلام.
ويهدف المؤتمر إلى توضيح الحقائق المتعلقة بحزمة الإجراءات الاستثنائية المؤقتة التي اتخذتها الحكومة لتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على التعامل مع تداعيات التصعيد العسكري في المنطقة.
أبعاد سياسية للأزمة الإقليمية
استهل رئيس الوزراء حديثه بالتطرق إلى البعد السياسي للأزمة، مؤكداً أن الدولة المصرية بذلت منذ اللحظة الأولى جهوداً مكثفة للحيلولة دون اندلاع الصراع في المنطقة، إدراكاً لتداعياته الخطيرة على الاستقرار الإقليمي.
وأوضح أن مصر، رغم تلك المساعي، وجدت نفسها أمام واقع إقليمي متوتر، مجدداً إدانة القاهرة الكاملة لاستهداف الدول العربية الشقيقة ومحاولات جرها إلى دائرة الصراع، ومؤكداً دعم مصر الكامل لتلك الدول في مواجهة الاعتداءات غير المبررة.
وأشار مدبولي إلى أن الحكومة تتابع الموقف الإقليمي على مدار الساعة، موضحاً أنه تم إعداد سيناريوهات استباقية تحسباً لتطور الأوضاع، كما جرى تشكيل لجنة مركزية لإدارة الأزمة برئاسته لضمان المتابعة اللحظية لكافة المستجدات، وقد عقدت اللجنة بالفعل اجتماعين خلال اليومين الماضيين لمراجعة الموقف من مختلف الجوانب.
اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة
أوضح رئيس الوزراء أن الحرب الجارية تسببت في اضطرابات شديدة في سلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً في قطاع الطاقة وما يرتبط به من إمدادات تجارية.
وأشار إلى أن أسعار النفط شهدت قفزات حادة خلال فترة قصيرة، موضحاً أنه عندما سُئل في المؤتمر الصحفي السابق عن احتمالية اتخاذ إجراءات استثنائية، كان سعر برميل النفط قد ارتفع من 69 دولاراً إلى 84 دولاراً، ثم واصل الصعود إلى 93 دولاراً، قبل أن يقفز لاحقاً إلى نحو 120 دولاراً للبرميل.
وأضاف أن الأسواق عادت إلى قدر من الهدوء عقب تصريحات دونالد ترامب، إلا أن سعر النفط استقر حالياً بين 92 و93 دولاراً للبرميل، وهو ما يمثل زيادة كبيرة مقارنة بالسعر الذي كانت تعتمد عليه تقديرات الموازنة.
جاهزية الدولة لمواجهة تداعيات الحرب
وأكد مدبولي أن الدولة كانت مستعدة لمواجهة هذه التطورات، مشيراً إلى امتلاك مصر مخزوناً استراتيجياً كبيراً من الطاقة داخل أراضيها.
لكنه أوضح أن هناك تعاقدات مستقبلية لتوريد الغاز والوقود تعتمد في تسعيرها على السعر العالمي اليومي، وهو ما يجعل التقلبات الحادة في الأسعار تؤثر بشكل مباشر على التكلفة النهائية.
وأضاف أن هذه الزيادة غير المسبوقة في أسعار الطاقة خلال فترة قصيرة فرضت ضغوطاً كبيرة على الموازنة العامة، ما جعل اتخاذ قرارات استثنائية أمراً حتمياً لضمان استمرار إمدادات الطاقة للكهرباء والصناعة والاستهلاك المنزلي.
خياران أمام الحكومة
وأشار رئيس الوزراء إلى أن الحكومة كانت أمام خيارين رئيسيين:
الأول: الاكتفاء بمتابعة التطورات دون تعديل الأسعار، وهو ما كان سيؤدي إلى تحمل الخزانة العامة كامل الزيادات في تكلفة الطاقة.
أما الخيار الثاني، الذي اختارته الحكومة، فتمثل في اتخاذ إجراءات استباقية ومدروسة لضمان استمرار النشاط الاقتصادي ودوران عجلة الإنتاج، مع استمرار الدولة في تحمل الجزء الأكبر من التكلفة لتخفيف العبء عن المواطنين والقطاع الإنتاجي.
توضيح بشأن زيادة أسعار الوقود
وأكد مدبولي أن تحميل المواطن كامل تكلفة زيادة الوقود أمر غير صحيح، مشيراً إلى أن الموازنة العامة كانت تعتمد في تقديراتها على سعر نفط يبلغ 61.3 دولار للبرميل، بينما وصل السعر حالياً إلى نحو 93 دولاراً، بعد أن بلغ في وقت سابق 120 دولاراً، وهو ما يمثل زيادة تقارب 50%.
وأوضح أن هذا الظرف الاستثنائي تواجهه العديد من دول العالم التي اتخذت بدورها إجراءات مختلفة للتعامل مع ارتفاع أسعار الطاقة.
إجراءات لترشيد الإنفاق والطاقة
أعلن رئيس الوزراء أن الحكومة اتخذت عدداً من الإجراءات العاجلة لترشيد الإنفاق العام، شملت إرجاء أو تجميد بعض المصروفات غير الضرورية في مختلف الجهات الحكومية، مع إعطاء الأولوية للإنفاق المرتبط بالخدمات الأساسية ودعم المواطنين.
كما أشار إلى اتخاذ إجراءات لترشيد استخدام الطاقة، بالتنسيق مع المحافظين، بهدف تقليل الضغوط الواقعة على الموازنة العامة خلال المرحلة المقبلة.
حزمة حماية اجتماعية للفئات الأكثر احتياجاً
أكد مدبولي أن الحكومة تدرك تأثير هذه الإجراءات على المواطنين، خاصة في ظل احتمالات ارتفاع معدلات التضخم.
وأوضح أن الدولة أطلقت حزمة حماية اجتماعية تستفيد منها نحو 15 مليون أسرة من الأسر الأكثر احتياجاً، سواء من مستفيدي منظومة السلع التموينية أو برنامج تكافل وكرامة.
وتتضمن الحزمة صرف دعم إضافي قدره 400 جنيه، كان مقرراً خلال شهري رمضان وعيد الفطر، إلا أنه تقرر مد صرفه لشهرين إضافيين حتى عيد الأضحى.
زيادات مرتقبة في الأجور وتشديد الرقابة على الأسواق
وأشار رئيس الوزراء إلى أن الموازنة العامة الجديدة ستُعرض قريباً على عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية، وستتضمن زيادات في الأجور.
كما شدد على تكثيف الرقابة على الأسواق لمنع أي محاولات لاحتكار السلع أو التلاعب بالأسعار، مؤكداً أن الحكومة ستتخذ إجراءات قانونية صارمة قد تصل إلى الإحالة إلى النيابة العسكرية في حال ثبوت أي مخالفات.
تنسيق مستمر مع البنك المركزي
أكد مدبولي وجود تنسيق يومي مع محافظ البنك المركزي المصري لضمان استقرار السياسة النقدية، مع العمل على تعزيز مرونة سعر الصرف وخفض معدلات التضخم.
وأشار إلى أن بعض القرارات الاقتصادية قد تتأثر مؤقتاً بالظرف الاستثنائي الحالي، لكن الحكومة تواصل العمل للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي.
رسائل طمأنة للمواطنين
اختتم رئيس الوزراء تصريحاته بتوجيه رسالة طمأنة للمواطنين، مؤكداً توافر النقد الأجنبي اللازم لتلبية احتياجات الدولة خلال الفترة الحالية والمقبلة.
وأضاف أن الاقتصاد المصري كان يسير في مسار نمو قوي قبل اندلاع الأزمة، وأن الحكومة تسعى للحفاظ على هذا المسار رغم التحديات الراهنة، معرباً عن أمله في انتهاء هذه الظروف الاستثنائية في أقرب وقت.
كما دعا المصريين إلى التكاتف والدعاء لحفظ البلاد واستمرار نعمة الأمن والاستقرار، مؤكداً أن الدولة قادرة على تجاوز الأزمة كما تجاوزت تحديات سابقة.
