تحظى إيران بعادات وتقاليد رمضانية خاصة تميّزها عن كثير من الدول الإسلامية، إذ تمتزج الأبعاد الدينية بالاجتماعية والثقافية في طقوس متوارثة جيلاً بعد جيل. ونظرًا لما تمثله هذه العادات من أهمية كبيرة في الوجدان الشعبي الإيراني، فقد صُنّفت العديد منها ضمن قائمة التراث المعنوي في إيران، باعتبارها جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية للمجتمع.
تنظيف المساجد استعدادًا لشهر الصيام
مع اقتراب حلول شهر رمضان المبارك، وتحديدًا في آخر جمعة من شهر شعبان، تشهد الأحياء الإيرانية طقسًا جماعيًا مميزًا، حيث تتجمع النساء والفتيات في مجموعات لتنظيف مساجد الأحياء التي يقمن فيها، في مشهد يعكس روح التعاون والاستعداد الروحي لاستقبال شهر الصيام.
كما تحرص بعض العائلات على إهداء سجادات الصلاة المعروفة باسم “البُسط” إلى المساجد، في تقليد يحمل دلالات دينية واجتماعية عميقة تعكس قيم التكافل والانتماء.
مراسم المصالحة قبل رمضان
تُعد مراسم المصالحة من أبرز العادات الرمضانية في إيران، إذ يتم تنظيم لقاءات تهدف إلى تصفية النفوس وتعزيز التماسك الاجتماعي قبل حلول الشهر الكريم.
ويقوم شيوخ الأحياء بدعوة المتخاصمين إلى شرب الشاي في أحد المنازل دون إبلاغهم بطبيعة اللقاء مسبقًا، لتتم المصالحة بينهم في أجواء هادئة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن شهر رمضان هو شهر التسامح وطيّ الخلافات.
طقس “رمي الكتل الترابية” في شيراز
في مدينة شيراز، مركز محافظة فارس، يمارس الأهالي في آخر جمعة من شهر شعبان مراسم تقليدية تُعرف باسم “رمي الكتل الترابية”.
ويقف المشاركون، كبارًا وصغارًا، عند غروب الشمس متجهين نحو القبلة وهم يحملون كتلًا ترابية بأيديهم، مرددين عبارات تعبّر عن التوبة والتطهر من الذنوب، منها:
“ربّنا تركنا ذنوبنا ومعاصينا الماضية وحطمنا أغلالها وها نحن على استعداد تام للعبادة وصيام شهر رمضان”.
وبعد ذلك، تُرمى الكتل الترابية بقوة على الأرض حتى تتكسّر، في اعتقاد رمزي بأن تحطمها يدل على محو السيئات وبدء صفحة جديدة مع الله.
المسحراتي الإيراني والمؤذن
لا تخلو المدن الإيرانية من تقليد المسحراتي، وإن كان بطابع محلي مميز. ففي مدينة خُنداب، يستيقظ الأهالي على صوت الطبل الذي يضرب عليه فتى صغير يرافقه أكبر مؤذني المدينة، وهو يردد الأدعية وينادي: “أفيقوا.. فقد حلّ السحر”.
ويتجول الاثنان في الأزقة والأحياء حتى تضاء مصابيح البيوت، في إعلان شعبي بموعد السحور.
أما في مدينة خُمَين والقرى التابعة لها، فيصعد الفتى إلى سطح المنزل ويبدأ بالضرب على الطبل أو “الطَست”، ويزداد الإيقاع قوة كلما اقترب موعد أذان الفجر تنبيهًا للإمساك، قبل أن يرفع الأذان بنفسه من أعلى المنزل.
“أكياس البركة” في همدان
ومن التقاليد الرمضانية اللافتة في محافظة همدان خياطة ما يُعرف بـ “أكياس البركة” في اليوم السابع والعشرين من شهر رمضان.
وفي هذا اليوم، تحمل النساء الصائمات القماش والخيط والإبرة إلى المسجد أثناء توجههن لأداء صلاتي الظهر والعصر، ويقمن بخياطة كيس أو عدة أكياس بين الصلاتين.
ويؤمن الأهالي بأن وضع مبلغ من المال داخل هذه الأكياس يجلب البركة ويضاعف الرزق.
المائدة الإيرانية في رمضان
تتزين الموائد الإيرانية خلال شهر رمضان بتشكيلة متنوعة من الأطعمة والمقبلات، أبرزها التمر (الرطب) المحشو بلبّ الجوز، وحلاوة الطحين، والحساء (الشوربة)، والهريسة، والمحلّبي وغيرها من الأطباق التقليدية.
ويُستحب لدى الإيرانيين أن يبدأ الصائم إفطاره بالتمر أو الماء الساخن أو الحلاوة، اتباعًا لتقاليد متوارثة.
الهريسة.. طبق رمضاني رئيسي
تُعد الهريسة، أو هريسة الحنطة، من أشهر وأقدم الأكلات الشعبية التقليدية في إيران، وتحضر بقوة على مائدة الإفطار، كما تُعد وجبة رئيسية في السحور.
وتتنوع أنواع الهريسة بحسب مكوناتها، إلا أن أساسها غالبًا ما يكون القمح والبصل ولحم العجل أو الدجاج، إضافة إلى الزيت.
أطباق وحلويات رمضانية أخرى
إلى جانب الهريسة، تشتهر المائدة الرمضانية الإيرانية بأطباق أخرى مثل شوربة الشعرية، وشوربة شُله قلمكار، والزردة، وحلوى رنكينك، والحليب بالأرز، والمحلّبي، وغيرها من الأصناف التي تجمع بين القيمة الغذائية والمذاق التقليدي.
