يتصاعد في المنطقة خطاب دعائي كثيف يحاول إعادة تشكيل وعي الرأي العام العربي عبر سرديات سياسية متناقضة، تتداخل فيها الأيديولوجيا مع المصالح الإقليمية، هذا الخطاب يروج لفكرة أن استهداف دول الخليج بالصواريخ والطائرات المسيّرة يمكن أن يكون طريقاً لمواجهة الولايات المتحدة أو إسرائيل، وهي سردية تُقدَّم للرأي العام بوصفها جزءاً من معركة كبرى، بينما نتائجها الواقعية لا تتجاوز دائرة الخراب والفوضى داخل الجغرافيا العربية نفسها. هذه المفارقة تعكس خللاً عميقاً في الخطاب الذي يسعى إلى تحويل الصراع بعيداً عن مساراته الحقيقية، وإقناع الشعوب بأن تدمير دولها أو زعزعة استقرارها قد يكون مدخلاً لتحقيق أهداف كبرى.
هذا النمط من الدعاية ليس جديداً على المشهد السياسي العربي، بل يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة منذ سنوات، ففي مرحلة ما قبل عام 2011 جرى تسويق فكرة أن إسقاط الدول وتفكيك مؤسساتها هو الطريق نحو العدالة الاجتماعية والحرية والرفاهية، وبعد سنوات تكررت الصيغة ذاتها في سياقات أخرى، حين قُدمت مشاهد الدمار في مناطق مختلفة باعتبارها خطوات تمهيدية لتحرير القدس أو لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. وفي كل مرة، كان الخطاب ذاته يَعِد بنتائج كبرى، بينما الواقع يكشف أن الخسارة تقع في المقام الأول على الدول العربية واستقرار مجتمعاتها.
تراكم هذه السرديات أدى إلى حالة من الارتباك في إدراك طبيعة الصراع، إذ أصبح جزء من الرأي العام يتعامل مع الأحداث بمعايير مزدوجة ، فالصاروخ قد يُدان حين يأتي من طرف، لكنه يُبرَّر حين يصدر من طرف آخر، رغم أن النتيجة واحدة: تهديد أمن المجتمعات العربية واستقرارها، هذه الازدواجية في المعايير لا تعكس موقفاً سياسياً بقدر ما تكشف عن أزمة في الوعي الجمعي، تُغذّيها حملات إعلامية منظمة تستهدف إعادة صياغة أولويات الجمهور العربي وتوجيهه نحو صراعات جانبية.
في هذا السياق يظهر الموقف الرسمي المصري بوضوح في تأكيده المتكرر أن أمن الخليج العربي هو امتداد مباشر للأمن القومي المصري، وهو موقف لم يكن يوماً مجرد عبارة دبلوماسية أو رسالة إعلامية عابرة، بل يمثل أحد ثوابت السياسة المصرية في تعاملها مع محيطها العربي ، وقد تجلى هذا الموقف بوضوح في الإدانة المصرية الصريحة للاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج العربي، حيث أكدت القاهرة رفضها القاطع لأي اعتداء يمس سيادة الدول العربية أو يهدد أمنها واستقرارها، مشددة على أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن العربي ككل.
وفي هذا الإطار يبرز شعار "مسافة السكة" الذي أطلقته القيادة المصرية باعتباره تعبيراً سياسياً عميق الدلالة، لم يكن يوماً للاستهلاك المحلي أو لمجرد دغدغة مشاعر الشارع العربي، بل كان انعكاساً لموقف استراتيجي راسخ يجمع بين وضوح الإرادة وحكمة التحرك ،فالدبلوماسية المصرية، بتاريخها الطويل وخبرتها العميقة في إدارة الأزمات الإقليمية، لطالما اتسمت بالقدرة على الجمع بين الحزم والاتزان، وبين الدفاع عن المصالح العربية والحفاظ على توازنات المنطقة،
غير أن المشكلة لا تكمن في وضوح الرسالة السياسية بقدر ما تظهر في الطريقة التي جرى بها تداول بعض المواقف الإعلامية التي بدت متناقضة مع هذا التوجه، فقد انتشرت تصريحات ومقالات ومداخلات إعلامية نُسبت إلى شخصيات عامة، حمل بعضها مواقف اعتبرها كثيرون متعارضة مع الخطاب الرسمي أو غير منسجمة مع طبيعة العلاقات التاريخية بين مصر ودول الخليج.
هذا التباين بين الرسالة السياسية والرسالة الإعلامية فتح مساحة واسعة لحالة من التشويش داخل الرأي العام، وهو ما استغلته تيارات مختلفة على منصات التواصل الاجتماعي لتغذية روايات بديلة تحاول تصوير العلاقات المصرية الخليجية وكأنها محل خلاف أو توتر ،هذه السرديات لا تكتفي بإثارة الجدل، بل تسعى أيضاً إلى إضعاف الروابط السياسية والاجتماعية بين مصر ومحيطها الخليجي، عبر تكريس فكرة أن المصالح المشتركة بين الطرفين يمكن التشكيك فيها أو التقليل من أهميتها.
في الواقع، فإن العلاقات المصرية الخليجية تشكل أحد أعمدة التوازن الإقليمي في المنطقة العربية، ليس فقط من زاوية المصالح السياسية أو الاقتصادية، بل أيضاً من منظور الأمن والاستقرار. ومن هنا فإن أي محاولة لإحداث فجوة في هذا البناء الاستراتيجي تمثل هدفاً سياسياً لبعض القوى التي ترى في تقويض هذه العلاقة مدخلاً لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
إن التحدي الحقيقي في هذه المرحلة لا يقتصر على مواجهة الصواريخ أو الأزمات الإقليمية، بل يمتد إلى مواجهة معركة الوعي التي تُدار على الفضاء الإعلامي والرقمي ، فالحروب الحديثة لم تعد تقتصر على الميدان العسكري، بل أصبحت تشمل أيضاً معركة الرواية والتأثير على الإدراك الجمعي للشعوب. ومن هنا يصبح الاتساق بين الرسالة السياسية والخطاب الإعلامي ضرورة استراتيجية، لأن أي فجوة بينهما قد تتحول إلى نقطة ضعف تستغلها حملات الدعاية المنظمة.
وفي ظل بيئة إقليمية معقدة تتقاطع فيها الأزمات والصراعات، تظل المحافظة على وضوح المواقف والرسائل مسألة أساسية لحماية الاستقرار الداخلي وتعزيز الثقة بين الدول العربية ، فالأمن القومي لم يعد مفهوماً محصوراً في الحدود الجغرافية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرة الدول على حماية وعي مجتمعاتها من محاولات التضليل والتشويش التي تستهدف إعادة تشكيل إدراكها لمصالحها الحقيقية.
وفي نهاية المطاف، تبقى مصر حاضرة بثقلها التاريخي والسياسي في معادلة الأمن العربي، مدركة أن استقرار الخليج العربي ليس قضية تضامن عابر، بل ركيزة أساسية في منظومة الأمن القومي العربي بأكملها، فالقاهرة لم تنظر يوماً إلى أمن أشقائها في الخليج باعتباره شأناً بعيداً، بل تعاملت معه دائماً بوصفه جزءاً أصيلاً من أمنها واستقرارها.
ومن هنا فإن دعم مصر لقضايا الخليج لم يكن يوماً موقفاً ظرفياً أو مرتبطاً بلحظة سياسية عابرة، بل هو امتداد لدور تاريخي راسخ يقوم على حماية الدولة الوطنية العربية وصون استقرار المنطقة. فحين يتعلق الأمر بأمن الخليج، تتحدث مصر بلغة المسؤولية والتاريخ، وتتحرك بعقل الدولة التي تدرك أن قوة العرب في تضامنهم، وأن استقرار المنطقة لا يتحقق إلا بتكاتف دولها في مواجهة التحديات.
وهكذا تبقى مصر، بثقلها الحضاري ومكانتها السياسية، سنداً ثابتاً لأشقائها، حاضرة حين تشتد الأزمات، وحريصة على أن يبقى الخليج آمناً مستقراً، لأن أمنه من أمنها، واستقراره من استقرارها، ولأن التاريخ أثبت أن مصر حين تقول كلمتها في قضايا الأمة، فإنها تقولها انطلاقاً من مسؤولية كبرى ورؤية لا تنفصل عن مستقبل المنطقة العربية بأكملها.
