قد لا أكون من سكانها، لكنني لطالما كنت من زوّارها الدائمين، بل من محبّيها أيضاً.

في كل شهر تقريباً، كنت أزور مركز "سيتي سنتر التجاري " القريب منها نحو ثلاث مرات، وكان المرور بالضاحية جزءاً من الطريق وطقساً ثابتاً من طقوسي الشهرية، إمّا قبل الذهاب إلى المركز أو بعد العودة منه.


هناك، كنت أبحث عن أماكن صغيرة تحوّلت مع الوقت إلى جزء من ذاكرتي.


اليوم، أحنّ إلى تناول طبق الكبسة الشهي في مطعم "أبو عباس"، المطعم الذي تضرّر جزئياً خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2024.

 لا أعلم اليوم إن كان ما زال صامداً كما كان، أم أن الحرب أخذت منه ما أخذت من غيره.


كما أحنّ إلى زيارة محال "مجوهرات إبراهيم" في شارع الجاموس. لم تكن زيارتي للمحل مرتبطة دائماً بالشراء؛ ففي كثير من الأشهر لم تكن ميزانيتي تسمح باقتناء أي قطعة ذهبية. ومع ذلك كنت أمرّ فقط لإلقاء التحية على الموظفين، فبفضل لطفهم ولباقتهم كان الزائر يشعر وكأنه يعرفهم منذ سنوات.


لكنني رأيت لاحقاً صورة نشرها المحل على صفحته على إنستغرام تُظهر أحد أفرعته مدمَّراً بالكامل بفعل هذه الحرب، صورة موجعة تختصر حكاية مكان كان يوماً مليئاً بالحياة والفرح.


أما محل "ورود" في شارع السان تريز، فكان له طابع مختلف. من يزره للمرة الأولى يكاد لا يغادره دون هدية؛ وردة يختارها لك البائع بعناية وفق اللون الذي تحب. كان مقصداً لعشّاق الورد والشتول مثلي، ومكاناً يعرف جيداً كيف يحوّل الزائر إلى زبون دائم بفضل الرقي واللباقة وحسن الترتيب.


لا أعرف ما حاله اليوم، لكن الصور التي شاهدتها على التلفاز للشارع الذي يقع فيه بدت قاسية إلى حدّ يصعب معه تخيّل أن المحل قد نجا من القصف.


في كل زيارة للضاحية كنت أكتشف محلاً جديداً، أو مطعماً جديداً، أو وجهاً جديداً. ربما كان السبب لطف الناس، وربما مهارتهم في كسب الزبائن، وربما لأنني كنت أشعر بأنني أنتمي إلى هذا المكان بطريقة ما.


فالضاحية تشبهني: فيها كل شيء بسيط وصادق، يُباع "بحق الله" كما يقول الناس هناك، دون تكلف أو استعراض.


هذه الذاكرة المليئة بالتفاصيل الصغيرة تبدو اليوم مهددة بالغياب. فمنذ اندلاع الحرب، تعمّدت ألا أشاهد صور الدمار. وإذا مرّت أمامي صورة أو مقطع فيديو مصادفةً، أزيح نظري سريعاً. لا أعرف تماماً ما هذا الشعور الذي ينتابني عند كل حرب؛ ذلك الإحساس الذي يجعل القلب يختنق والعين ترفض رؤية الخراب.
لا أحب أن يتحوّل الدمار إلى مجرد مشهد بصري، فخلف كل مبنى مهدوم روح فقدت مأواها، وعائلة فقدت بيتها، وذكريات انهارت مع الجدران.
لا أكتب هذه الكلمات لأصف مشاعري فقط، بل لأنني أفكر في سكان الضاحية الجنوبية لبيروت، إحدى أكثر المناطق اللبنانية اكتظاظاً بالسكان.
تمتد الضاحية الجنوبية على مساحة تقارب 15.63 كيلومتراً مربعاً، ويُقدَّر عدد سكانها بما بين 976 ألفاً ومليون نسمة. ومع تصاعد الحرب، أصبح كثير من هؤلاء السكان نازحين.


وبحسب تقرير نشرته وحدة إدارة مخاطر الكوارث في مجلس الوزراء اللبناني، بلغ عدد النازحين المسجّلين ذاتياً 831 ألفاً و882 شخصاً، فيما وصل عدد الموجودين في مراكز الإيواء إلى 132 ألفاً و419 شخصاً، موزعين على 33 ألفاً و902 عائلة داخل 619 مركز إيواء تم فتحها لاستقبالهم.
تخيّلوا حجم المأساة، تخيّلوا عدد العائلات التي ستعود إلى منازلها لتجد مكانها ركاماً.


وتخيّلوا آلاف الأسر التي أصبحت فجأة بلا مأوى.
وتخيلوا معي كيف ستكون حياة تجارها وأصحاب المحالات هناك؟!


والأصعب أن كثيراً من سكان الضاحية لم ينسوا بعد تكاليف ترميم منازلهم ومحلاتهم التجارية بعد حرب عام 2024، تلك الحرب التي استمرت 66 يوماً. وربما أن كثيرين منهم لم ينتهوا حتى الآن من سداد الديون التي ترتبت عليهم آنذاك.


ومع ذلك، ورغم كل القصف والدمار، ما زال كثير من سكان الضاحية يهمسون بكلمات بسيطة تختصر إرادة الحياة: "سنعود من جديد"، و"الله بعوّض".

الضاحية الجنوبية ليست منطقة نائية ولا "بؤرة أمنية" كما يصفها البعض. إنها روح مدينة كاملة. منطقة لبنانية متنوعة تضم أبناء طوائف متعددة، لكن ما يجمعهم فيها هو روح الضيافة والإنسانية.
هناك، في تلك الشوارع، تتجلى فكرة مختلفة عن المقاومة؛ مقاومة ليست بالسلاح فقط، بل بالحياة اليومية، بالقدرة على الاستمرار، وبالتمسك بالبيت والحيّ والمتجر.


الضاحية الجنوبية تعلّم زائرها درساً بسيطاً وعميقاً في آنٍ معاً:


"الحرب قد تمحو المباني، لكنها لا تمحو الروح"
ففي تلك الشوارع، كل زاوية تحمل قصة، وكل مبنى مهدّم يحتفظ بذاكرة. أما نازحوها، فرغم الألم والتشرّد، يبتسمون لأنهم أبناء مدينة تعرف جيداً كيف تنهض من تحت الركام.

الكلمات المفتاحية: