لم تكن ذكرى الخامس والعشرين من أبريل مجرد يوم لرفع العلم، بل كانت تتويجاً لأطول معركة قانونية وسياسية في تاريخ مصر الحديث. فبين نصر أكتوبر 1973 ورفع العلم فوق طابا عام 1989، خاضت الدولة المصرية ملحمة استعادة السيادة على مساحة 61 ألف كيلومتر مربع، وهي المساحة التي تمثل نحو 6% من إجمالي مساحة البلاد.
القوة العسكرية كتمهيد للسيادة
لم تكن معركة استعادة سيناء دبلوماسية في مقامها الأول، بل بدأت بفرض واقع عسكري جديد في حرب أكتوبر 1973، التي حطمت نظرية "الأمن الإسرائيلي" وأجبرت المحتل على الجلوس إلى مائدة التفاوض من موقف الندية. ووفقاً للتسلسل التاريخي، كان العمل العسكري هو "المفتاح" الذي فتح أبواب التحرير؛ حيث انتقلت مصر من مرحلة الصمود والاستنزاف إلى مرحلة الهجوم الشامل، وصولاً إلى توقيع معاهدة السلام التي استندت في قوتها إلى توازن القوى الميداني. وقد تجلى الدور العسكري لاحقاً في الإشراف الدقيق على مراحل الانسحاب الإسرائيلي الثلاث، وتأمين الحدود المستردة، وصولاً إلى لحظة رفع العلم المصري التي أعلنت رسمياً انتهاء المواجهة العسكرية وبدء مرحلة حماية السيادة الوطنية باليقظة الدفاعية.
من العريش إلى طابا ومراحل جلاء المحتل
بدأت عجلة التحرير الفعلي بالدوران عقب توقيع معاهدة السلام في مارس 1979، حيث وُضع جدول زمني صارم للانسحاب الإسرائيلي نفذ على ثلاث مراحل رئيسية:
المرحلة الأولى: شملت استعادة العريش وخط الاستراتيجية في مايو 1982.
المرحلة الثانية: شهدت انسحاباً من وسط سيناء في يوليو من نفس العام.
المرحلة النهائية: في 25 أبريل 1982، خرج آخر جندي إسرائيلي من سيناء، باستثناء "طابا" الذي تفجرت حوله أزمة حدودية ناتجة عن تزييف العلامات المساحية.
معركة الـ 1000 متر: كيف انتصرت مصر في "التحكيم"؟
لم تتنازل الإدارة المصرية عن الكيلومتر المربع الأخير؛ حيث انتقل الصراع من الميدان إلى أروقة المحاكم الدولية. استندت مصر إلى وثائق تاريخية وخرائط نادرة تعود لعام 1906، لتقضي هيئة التحكيم الدولية في جنيف عام 1988 بأحقية مصر المطلقة في طابا، ليُرفع العلم المصري عليها في مارس 1989، معلنةً السيادة الكاملة على كل حبة رمل في أرض الفيروز.
كتيبة استعادة طابا: تضافر الخبرات القانونية والدبلوماسية
اعتمدت مصر في معركة استعادة طابا على فريق من القامات الوطنية التي خاضت النزاع القانوني ببراعة؛ حيث برز الدكتور عصمت عبد المجيد (وزير الخارجية الأسبق) في إدارة الملف دبلوماسياً، والدكتور نبيل العربي كممثل لمصر أمام هيئة التحكيم الدولية. وضمت اللجنة القانونية والسياسية خبراء قانونيين وتاريخيين بارزين هم الدكاترة: وحيد رأفت، مفيد شهاب، صلاح عامر، ويونان لبيب رزق، والذين تولوا إعداد الدفوع القانونية والخرائط التاريخية التي أثبتت أحقية مصر في سيادتها الكاملة على المنطقة، وصولاً إلى صدور الحكم التاريخي لصالح مصر.
