في الدول التي تحترم المؤسسات، لا تُقاس قوة الكيانات الاقتصادية بحجم استثماراتها فقط، وإنما بقدرتها على تقبل النقد والتعامل مع الأسئلة المطروحة حول أدائها بشفافية ووضوح.

فكلما كبر حجم التأثير، زادت الحاجة إلى المساءلة، وزاد حق الرأي العام في المعرفة.

لكن ما يثير القلق هو أن بعض الجهات أصبحت تتعامل مع ما يُنشر حولها بمنطق مختلف؛ فبدلًا من اللجوء إلى حق الرد، أو إصدار البيانات التوضيحية، أو تصحيح المعلومات إن كانت غير دقيقة، يصبح المسار الأسرع هو تقديم الشكاوى ضد الصحفيين والمؤسسات الإعلامية.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل الهدف من الشكوى هو تصحيح معلومة، أم توجيه رسالة ضمنية لكل من يفكر في الاقتراب من الملفات الشائكة؟

الصحافة لم تُخلق لتكون نشرة علاقات عامة لأي جهة، مهما كان حجمها أو نفوذها. ودور الصحفي لا يقتصر على نقل البيانات الرسمية، بل يمتد إلى رصد المشكلات ونقل شكاوى المواطنين وطرح الأسئلة التي تهم الرأي العام.

وإذا كان كل سؤال قد يتحول إلى شكوى، فكيف يمكن للصحافة أن تؤدي وظيفتها الأساسية؟

الأكثر خطورة أن تتحول الشكوى نفسها إلى مادة للتشهير بالمؤسسة الإعلامية قبل انتهاء أي إجراءات أو التحقق من صحة الادعاءات الواردة فيها.

 فبمجرد تداول أخبار الشكاوى ونشرها على نطاق واسع، تتكون لدى البعض انطباعات مسبقة، وكأن الإدانة قد صدرت بالفعل، بينما الأصل أن أي شكوى هي مجرد ادعاء يخضع للفحص والتقييم.

إن حرية الصحافة لا تعني الحصانة من المساءلة، كما أن حق المؤسسات في الدفاع عن نفسها حق أصيل لا جدال فيه. لكن التوازن الحقيقي يقتضي أن تكون المواجهة بالحجة والوثيقة والبيان والرد، لا بتحويل ساحات التنظيم المهني إلى أداة ضغط على كل من يطرح سؤالًا أو ينقل شكوى أو يسلط الضوء على مشكلة.

القضية هنا ليست قضية موقع خمسة سياسة فقط أو صحفي بعينه، بعد تعرضه للتشهير، وتقديم شكوى فيه بالمجلس الأعلى للإعلام، من أحدى شركات الاستثمار العقاري الكبري الشهيرة .

  بل وجدنا ان القضية ما هي إلا مناخ عام. فإذا شعر الصحفي أن ثمن الاقتراب من بعض الملفات سيكون سلسلة من الشكاوى والضغوط، فإن النتيجة الطبيعية ستكون تراجع مساحة الأسئلة، وخسارة المجتمع لواحدة من أهم أدوات الرقابة المجتمعية.

الصحافة الحرة ليست خصمًا لأحد، لكنها أيضًا لا ينبغي أن تصبح ضحية لمجرد أنها قامت بدورها. فالمجتمعات القوية تُبنى بالنقد المسؤول والشفافية، لا بالخوف من طرح الأسئلة.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نريد صحافة تكتفي بنقل ما يُقال لها، أم صحافة تبحث وتسأل وتحقق وتنقل ما يهم. 

نوصي بقراءة :انشغل بـ«ذا سباين».. هل انشغال مجموعة طلعت مصطفى بالمشروعات الجديدة يقضي على أحلام «امبراطورية هشام» بمدينة الرحاب بعد كثرة شكاوى قاطنيها من الزحام والعشوائية؟