تنطلق من الجانب الغربي لنهر النيل، وتحديداً على بعد 50 كيلومتراً شمالي محافظة قنا، سيرة واحدة من أقدم الحواضر التاريخية في صعيد مصر؛ إنها قرية "هُو" التابعة لمركز نجع حمادي. القرية التي لا تمثل مجرد امتداد جغرافي، بل تشكل متحفاً مفتوحاً يضرب بجذوره في أعماق التاريخ الفرعوني، ومزاراً روحياً فريداً يُعرف بين أهالي الصعيد بـ "عش أولياء الله الصالحين"، نظراً لضمها عدداً لا يحصى من الأضرحة والمقامات التي تعود لعصور إسلامية مختلفة.

من "طيبة الصغرى" إلى المقاطعة السابعة: عمق فرعوني وأثري
تؤكد الشواهد التاريخية والمراجع الأثرية، ومنها "معجم الحضارة المصرية القديمة" للمؤرخ جورج بوزنر، أن قرية "هو" كانت تُعرف في العصر الفرعوني باسم "ديسوبوليس بارفا"؛ والتي تعني "طيبة الصغرى". وقد حظيت القرية بمكانة سياسية وإدارية مرموقة في مصر القديمة باعتبارها عاصمة المقاطعة السابعة من مقاطعات الوجه القبلي، والتي كانت تُسمى (كنمت).
وتزخر القرية بمعالم أثرية شاهدة على تقلب العصور، أبرزها: المقصورة الأثرية: والتي كانت مخصصة تاريخياً لعبادة الآلهة "حتحور".
جبانة "هو" لعصر ما قبل التاريخ: والتي شهدت تنقيبات العالم البريطاني "فلندرز بتري" عام 1884، حيث اكتشف بها كميات هائلة من الأواني والتماثيل الفخارية التي قدمت معلومات علمية حاسمة عن تلك الحقبة.
المسجد العمري العتيق: الذي شُيِّد عقب الفتح الإسلامي لمصر، وكان بمثابة جامعة دينية رائدة لعلوم القرآن ونشر المعرفة.

"عش الأولياء".. خارطة الروحانيات على ضفاف النيل
تكتسب القرية خصوصيتها الشديدة مما يصفه الأهالي والمثقفون هناك بـ "الروحانيات الكامنة"، حيث تضم القرية أعداداً هائلة من مقامات الأولياء والصالحين.
ويستعرض خليفة الهوي، أحد المثقفين والباحثين من أبناء القرية، المسار الروحي لـ "هُو"، موضحاً أن الزائر بمجرد دخوله القرية يجد في استقباله مقام الشيخ "أويس بن عامر القرني" بنجع خضر بجوار برج موسى، يليه مقاما الشيخ "محمد الطواب" والشيخ "محمد المغربي الشاذلي" بمنطقة الدرب، فيما يستقبل زوار قلب القرية الشيخ "شعيب أبو مدين" خلف مسجده.
وعلى امتداد الشريط المحاذي لنهر النيل، تتراص مقامات شيوخ وأولياء تركوا بصمتهم في الوجدان الشعبي، ومنهم: الشيخ الحسن الهيتمي، الشيخ شرف الدين، الشيخ الخواص (الشرفا)، الشيخ عوج، الشيخ شعبان، والشيخ عزاز. وفي نهاية المسار المحاذي للنهر، يقف مقام الشيخ "سليم أبو حردان" كأنه يودع الراحلين إلى قنا أو الشاورية.
أما منطقة السوق المجاورة للمسجد العمري العتيق، فتمثل مركزاً ثقلاً روحياً آخر؛ حيث تضم أضرحة ومقامات منها: الست هنود، الشيخ أبو الهوى، الوجيهي، جلال، الشبديخ الهوى، حسين، والدريني وأخوه خليفة، بالإضافة إلى الشيوخ: وعد، عكرون، نحيله، حسن النجار، أبو الفتوح، بدير، نباته، عبد الحميد، العراقي، القرشي، ومحمد صالح.

من الفتوحات الإسلامية إلى المقابر الحديثة: أسرار الجبانة
لا تتوقف القيمة الروحية والتاريخية عند حدود الكتلة السكنية، بل تمتد إلى جبانة القرية ومحيطها. فعلى مدخل الجبانة يقع مقام الشيخ "الحارث" والشيخ "الخطاف"، وبالمسير نحو مقابر الألومنيوم يظهر مقاما الشيخ "فتحي أبو العباس" والشيخ "الجمال".
وتعد الساحة الأشهر في الجبانة هي ساحة ومقام الصحابي والمقاتل الشهير "ضرار بن الأزور الأسدي"، صاحب البطولات البارزة في فتوح الشام، وتضم الساحة ذاتها مقاماً لشقيقته الفارسة "خولة بنت الأزور"، ومقاماً لـ "الناظر".
وعلى مقربة من هذا الإرث الإسلامي المبكر، تحتضن الجبانة مقامات السادات البكرية، الشيخ الخروبي بن الشيخ علي الروبي، الشيخ عبد الباقي عبد الحق، الشيخ محمد عبد الرحيم النجمي، الشيخ ناصر جابر حجاب، الشيخ مجدي النجمي، الشيخ مختار الشعابني، والشيخ النع. ويختتم المشهد الروحي خلف العمارات السكنية بمقام الشيخ "محمد علام"، وهو أحدث مقام تم تشييده في المنطقة.
ويختتم "الهوي" حديثه بالإشارة إلى الأثر النفسي والوجداني لهذه الجغرافيا الفريدة، مؤكداً أن التجول بين هذه المقامات والأضرحة يمنح الزائر شعوراً حياً بملامسة التاريخ والروحانيات، حيث عاش هؤلاء الأولياء -بين أهل علم ومعرفة ومتصوفة- على مدار عصور مختلفة، ليتركوا إرثاً سطر تاريخ القرية وجعلها منارة روحية يقصدها الداني والقاصي في صعيد مصر.
