​على بُعد نحو 16 كيلومترًا غرب مركز بني مزار بمحافظة المنيا، تقف منطقة «البهنسا» شاهدةً على فصولٍ مجيدة من التاريخ الإسلامي، واضعةً لنفسها مكانةً فريدة في قلوب الزائرين الذين يلقبونها بـ «بقيع مصر» أو «البقيع الثاني»، نظرًا لما تحويه أرضها من رفات مئات الصحابة والتابعين والشهداء الذين أراقوا دماءهم الزكية خلال الفتح الإسلامي لمصر.

​تحولت البهنسا بمرور السنين من مجرد مدينة أثرية قديمة إلى منارةٍ لـ «السياحة الدينية والروحية»، حيث يقصدها الآلاف من مختلف المحافظات المصرية، بل ومن دول العالم الإسلامي، التماسًا للبركة واسترجاعًا لبطولات الفتح الإشراقي الذي قاده عمرو بن العاص، والذي أرسل الصحابي الجليل قيس بن الحارث لفتح هذه المدينة الحصينة التي كانت تُعد مفتاحًا للصعيد.


​أرض الشهداء وساحة المعارك الكبرى

​تكتسب البهنسا قدسيتها التاريخية من فداحة المعارك التي دارت على أسوارها؛ فوفقًا للمؤرخين، شهدت المدينة حصارًا طويلًا واشتباكات عنيفة بين الجيش الإسلامي والرومان، سقط على إثرها نحو 5 آلاف صحابي وتابعي شهداء فوق هذه البقعة، ولم يُعثر إلا على قبور ومقامات نحو 70 منهم ثبتت هوياتهم بالمتواتر التاريخي.

من أشهر المعالم الروحية التي تضمها

المنطقة، مقام سيدي جعفر وعلي أولاد عقيل بن أبي طالب: من آل بيت النبوة، ​قبة الصحابي القاضي زياد بن أبي سفيان الحارثي: أحد قضاة الفتح، ​مقام ومسجد الحسن الصالح بن علي زين العابدين: الذي يُعد مزارًا رئيسيًا بالمنطقة، قبة السبع بنات: وهي منطقة يحيط بها الكثير من الروايات الشعبية والروحية حول فتيات شاركن في إمداد الجيش الإسلامي بالمياه والتمريض خلال الحصار واستُشهدن هناك.


​«شجرة مريم».. عناق الهلال والصليب

​لا تقتصر الأهمية التاريخية للبهنسا على الحقبة الإسلامية فحسب، بل تمتد جذورها إلى التاريخ المسيحي؛ إذ تضم المنطقة «شجرة مريم العذراء»، وهي الشجرة التي تذكر الروايات التاريخية والمسيحية أن العائلة المقدسة (السيد المسيح، والسيدة العذراء، ويوسف النجار) استظلت بها خلال رحلة هروبها إلى مصر، مما يجعل المدينة نقطة التقاء حضاري وروحي فريد يعكس نسيج الهوية المصرية المتلاحم.

​بين التنمية السياحية والحفاظ على الهوية

​شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا من وزارة السياحة والآثار المصرية، عبر إطلاق مشروعات لترميم القباب الأثرية، وتطوير المزارات المحيطة بها، وتأهيل الطرق المؤدية إليها لتسهيل حركة التدفق السياحي. ورغم ذلك، يرى خبراء الآثار أن البهنسا ما زالت بحاجة إلى تسليط ضوء إعلامي أوسع وإدراجها بشكل أكثر فاعلية على خريطة السياحة العالمية، نظرًا لقيمتها التي لا تقل أهمية عن المزارات الدينية الكبرى في المنطقة العربية.

​تبقى «البهنسا» نافذةً حية تطل منها المنيا على أمجاد التاريخ، ومزيجًا عبقريًا بين جلال الروح وعراقة الأثر، تروي رمالها لكل عابر قصة مدينة رفضت أن يموت تاريخها، فصارت «بقيعًا يحيا في قلب الصعيد».