يظل دير القديس الأنبا هيرمينا السائح بمحافظة أسيوط شاهدًا حيًا على ثراء العمارة القبطية وتاريخ الحركة الرهبانية في صعيد مصر. يتميز هذا الدير بكونه المنشأة الكنسية الوحيدة في العالم التي تحمل اسم هذا القديس، ويقع في منطقة منعزلة بالصحراء الشرقية على بعد كيلومترين شمال "عزبة الأقباط" التابعة لمركز البداري، وبالقرب من قرية "العتمانية" التاريخية.

جذور تاريخية في "جبل قاو"
يرتبط موقع الدير تاريخيًا بمنطقة "جبل قاو الكبير" (أنتبوليس باليونانية)، وهو موقع أثري يضم مغارات ومقابر فرعونية ترجع إلى الأسرة الثانية عشرة.
سكن المتوحدون الأقباط هذه المغارات الجبلية في أواخر القرن الخامس الميلادي، وهو العصر الذهبي الذي ازدهرت فيه الرهبنة بالمنطقة، حتى أطلق عليها المؤرخون اسم "جبل الفرح والعزاء" لكثرة العابدين بها. ورغم تعرض مدينة قاو لجرف فيضان النيل في أوائل القرن التاسع عشر، صمد الدير فوق تلة مرتفعة، لتبقى كنيسته الأثرية المبنية من الطوب اللبن هي الأثر الوحيد القائم من المجمع الديري القديم.

التخطيط المعماري والمقدسات الداخلية
ينفرد الدير بطابع معماري وروحي خاص، وتتوسطه كنيسة أثرية مسقوفة بالقباب الطوبية، وتنقسم داخليًا إلى قسمين رئيسيين: يضم خمسة مذابح تحمل أسماء (الأنبا هيرمينا السائح "المذبح الرئيسي"، السيدة العذراء، رئيس الملائكة ميخائيل، الشهيد مار جرجس، والأنبا تكلا هيمانوت الحبشي)، و يتكون من كنيسة صغيرة ملحقة تضم مذبحًا واحدًا باسم القديس الأنبا أنطونيوس، و تحتوي الكنيسة على المعمودية الأثرية في جهتها البحرية، بينما يقع مزار وجسد القديس الأنبا هيرمينا في حجرة مخصصة بالجانب القبلي من الصحن.
الإرث الشعبي والاحتفالات السنوية
يرتبط الدير بالعديد من الروايات والموروثات الشعبية لدى أهالي المنطقة، وأبرزها "معجزة حصاد القمح" التي يتناقلها السكان كرمز لحماية القديس للمكان.
يشهد الدير تدفقًا للزوار والرحلات طوال العام حيث تقام الصلوات بانتظام، بجانب إحياء تذكارين سنويين للقديس: الأول في 2 كيهك (ذكرى نياحته)، والثاني في 2 أبيب (ذكرى ظهور جسده).
