شهدت مناقشات مشروع القانون المقدم من الحكومة بشأن إصدار قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة حالة من التوافق البرلماني الواسع بين أحزاب الموالاة والمعارضة، في مشهد عكس توافقًا سياسيًا نادرًا انطلق من أرضية وطنية مشتركة تستهدف دعم جهود الدولة في التنمية وتعزيز كفاءة إدارة المشروعات القومية.
وجاء ذلك خلال اجتماع اللجنة المشتركة من لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، الذي عُقد اليوم، وشهد للمرة الأولى توافقًا كبيرًا بين مختلف القوى السياسية على مواد مشروع القانون، وسط مناقشات موسعة امتدت لخمس ساعات متواصلة.
مناقشات موسعة وتعديلات توافقية
شهد الاجتماع سلسلة من المداخلات والمقترحات التي تقدم بها عدد من رؤساء الهيئات البرلمانية، وأسفرت عن تعديلات حظيت بموافقة الحكومة واللجنة، في إطار الحرص على الوصول إلى أفضل صياغة تشريعية تحقق أهداف القانون.
وفي هذا السياق، تقدم النائب الدكتور أحمد العطيفي، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب حماة الوطن، بتعديل على المادة (79)، ينص على اعتبار الندب أو الإعارة من جهة العمل الأصلية، وفقًا للنظام المعمول به لديها، إلى جهاز مستقبل مصر أو الصندوق السيادي أو الصندوق الخدمي، "مهمة قومية"، على أن يتحمل الجهاز أو الصندوق المختص المستحقات المالية للمنتدب أو المعار، مع اعتبار مدة الندب أو الإعارة مدة خدمة متصلة بجهة العمل الأصلية.
وحظي التعديل بموافقة الحكومة واللجنة، باعتباره يعزز الاستقرار الوظيفي للعاملين، ويشجع الكفاءات على الانضمام إلى الجهاز دون الإضرار بمراكزهم الوظيفية.
رسالة طمأنة للمستثمرين
وأكد النائب أحمد العطيفي، خلال المناقشات، أن مشروع القانون يمثل رسالة ثقة واضحة للمستثمرين، من خلال توفير بيئة أكثر استقرارًا ومرونة، وتشجيع الشراكات مع القطاع الخاص، بما يدعم زيادة الاستثمارات والإنتاج، ويرفع من تنافسية الاقتصاد المصري، خاصة في القطاعات المرتبطة بالأمن الغذائي، والصناعة، والخدمات اللوجستية.
وأوضح أن مشروع القانون يؤسس لإطار تشريعي متكامل ينظم عمل جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، ويحدد اختصاصاته بصورة واضحة، ويعزز التنسيق بين مختلف مؤسسات الدولة، بما يسهم في تحقيق التكامل بين خطط التنمية، ومنع تداخل الاختصاصات، وتعظيم الاستفادة من الموارد والإمكانات المتاحة.
موافقة البرلمان على إنشاء مناطق التنمية المستدامة
كما تقدم النائب أحمد عبد الجواد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن، بتعديل على المادة (26)، يقضي باشتراط موافقة مجلس النواب في جلسة عامة على قرار إنشاء مناطق التنمية المستدامة.
وبموجب التعديل، أصبحت الفقرة الأولى من المادة (26) تنص على أن تُنشأ منطقة التنمية المستدامة بقرار من رئيس الجمهورية، بعد موافقة مجلس إدارة الجهاز، وبناءً على اقتراح رئيس الجهاز، وبعد موافقة مجلس النواب في جلسة عامة، وفي حال صدور القرار في غير دور الانعقاد، يُعرض على مكتب المجلس، مع إخطار المجلس في أول جلسة عامة تالية.
ويستهدف هذا التعديل تعزيز الرقابة البرلمانية على إنشاء مناطق التنمية المستدامة، بما يرسخ مبادئ الشفافية والتوازن بين السلطات.
إشادة بدور الجهاز في دعم الأمن الغذائي
من جانبه، أكد النائب سليمان وهدان، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الجبهة الوطنية، أن مشروع القانون يضع إطارًا قانونيًا واضحًا ينظم عمل جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، ويجيب عن مختلف التساؤلات المتعلقة باختصاصاته، مشيرًا إلى أن الحزب انتهى إلى الموافقة على مشروع القانون من حيث المبدأ بعد مناقشات مستفيضة.
وأضاف أن الجهاز لعب دورًا محوريًا في دعم الأمن الغذائي، الذي يمثل أحد أهم ركائز الأمن القومي، من خلال تنفيذ مشروعات زراعية كبرى ساهمت في زيادة الإنتاج المحلي وتعظيم الاستفادة من موارد الدولة.
موافقة نهائية من اللجنة المشتركة
وكانت اللجنة المشتركة من لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، برئاسة المستشار محمد عيد محجوب، وبالاشتراك مع هيئات مكاتب 17 لجنة نوعية، قد وافقت نهائيًا على مشروع القانون المقدم من الحكومة بشأن إصدار قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة.
وشهد الاجتماع حضور المستشار محمد عبد العليم كفافي، مستشار رئيس مجلس النواب، والمستشار هاني حنا عازر، وزير شؤون المجالس النيابية، إلى جانب 18 ممثلًا عن الوزارات والجهات المعنية.
حضور واسع من مختلف القوى السياسية
اتسمت المناقشات بحضور واسع من أعضاء مجلس النواب من مختلف الانتماءات السياسية، حيث شارك رؤساء الهيئات البرلمانية لأحزاب الموالاة والمعارضة في مناقشة مواد مشروع القانون، في مشهد عكس الحرص على تحقيق التوافق حول أحد أهم التشريعات المرتبطة بالتنمية الاقتصادية.
كما شاركت في المناقشات هيئات مكاتب لجان الخطة والموازنة، والشؤون الاقتصادية، والعلاقات الخارجية، والدفاع والأمن القومي، والصناعة، والزراعة، والطاقة، والإسكان، والقوى العاملة، والتعليم، والتضامن الاجتماعي، والإعلام، والسياحة، والصحة، والاتصالات، والإدارة المحلية، والمشروعات الصغيرة.
إشادة من رؤساء اللجان البرلمانية
واستمر التوافق على مشروع القانون على مدار يومين من المناقشات، حيث أعلن النائب محمد الجارحي، رئيس لجنة المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بمجلس النواب، موافقة اللجنة على مشروع القانون من حيث المبدأ، واصفًا جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة بأنه كيان ناجح، مؤكدًا أن اللجنة ستعرض ملاحظاتها التفصيلية أثناء مناقشة مواد المشروع.
كما أكد النائب طارق الملا، رئيس لجنة الصناعة بمجلس النواب، أن مشروع القانون يستهدف دعم جهود التنمية الاقتصادية، موضحًا أن ما حققه الجهاز خلال السنوات الماضية، خاصة في ملف الأمن الغذائي، يعكس أهمية دوره في تنفيذ المشروعات القومية، مشيرًا إلى أن القانون يمنحه المرونة والصلاحيات اللازمة للعمل في قطاعات الطاقة، والتعدين، وغيرها من القطاعات الاستراتيجية.
بدوره، أكد النائب السيد القصير، رئيس لجنة الزراعة والري والأمن الغذائي والثروة الحيوانية بمجلس النواب، أن جهاز مستقبل مصر يعمل منذ عام 2022 وحقق نتائج ملموسة، لا سيما في ملف الأمن الغذائي، موضحًا أن مشروع القانون يأتي لتنظيم عمل الجهاز، وتعزيز دوره خلال المرحلة المقبلة، بما يتماشى مع مستهدفات الدولة في تحقيق التنمية المستدامة وتعظيم الاستفادة من الموارد الوطنية.
