تشهد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران تصعيدًا غير مسبوق، بعد انتقالها من الضربات المحدودة إلى عمليات عسكرية واسعة امتدت من الداخل الإيراني إلى مياه الخليج العربي، في تطور ينذر بتداعيات أمنية واقتصادية إقليمية ودولية، خاصة مع دخول مضيق هرمز، أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية، إلى دائرة الصراع المباشر.

ومع استمرار تبادل الضربات العسكرية، تتزايد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة لتشمل مزيدًا من دول المنطقة، في وقت تتراجع فيه فرص الحلول الدبلوماسية التي كانت مطروحة خلال الأشهر الماضية.

غارات أمريكية واسعة تستهدف مواقع عسكرية إيرانية

شنت القوات الأمريكية، فجر الإثنين، سلسلة غارات جديدة استهدفت مواقع عسكرية وخطوط اتصالات في خمس محافظات إيرانية، بالتزامن مع سماع دوي انفجارات في محيط مدينة بندر عباس وجزيرة قشم جنوبي إيران.

وأعلن مساعد محافظ أصفهان مقتل شخص وإصابة سبعة آخرين جراء استهداف قاعدة عسكرية في مدينة نائين، فيما أكد مسؤول بمحافظة خوزستان تعرض مناطق في مدينتي بهبهان ودزفول لهجمات أمريكية جديدة.

وفي أول تعليق رسمي، أكدت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" أن العمليات العسكرية جاءت تنفيذًا لتوجيهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتهدف إلى تقويض قدرة الحرس الثوري الإيراني على تهديد السفن التجارية وحرية الملاحة في مضيق هرمز.

وأوضحت أن الضربات بدأت عند الخامسة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، معتبرة أنها تمثل ردًا مباشرًا على الهجمات الإيرانية الأخيرة ضد الملاحة الدولية.

إيران ترد باستهداف قواعد أمريكية في الخليج

لم تتأخر طهران في الرد، إذ أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ هجمات استهدفت قواعد عسكرية أمريكية في الكويت والبحرين، بينما أعلن الأردن اعتراض أربعة صواريخ كانت تستهدف أراضيه.

وأكد الحرس الثوري أن مضيق هرمز يمثل جزءًا من السيادة الإيرانية، مشددًا على أن طهران لن تسمح باستمرار ما وصفه بالتدخلات الأمريكية غير القانونية داخل المضيق.

واعتبرت إيران أن الضربات الأمريكية تمثل نسفًا كاملاً للجهود الدبلوماسية التي بُذلت خلال الأشهر الماضية، وتحمل واشنطن مسؤولية إفشال مسار التفاوض.

الخارجية الإيرانية: واشنطن أجهضت التفاهمات

صعدت وزارة الخارجية الإيرانية من لهجتها تجاه الولايات المتحدة، مؤكدة أن إيران لن تسمح بتحويل مضيق هرمز إلى مصدر تهديد لأمنها القومي، وأنها كانت تسعى إلى ضمان أمن الملاحة البحرية عبر التنسيق مع سلطنة عُمان.

وقال وزير الخارجية عباس عراقجي إن المحاولات الرامية إلى التوصل لآلية مشتركة بشأن إدارة الملاحة في المضيق ما زالت مستمرة، إلا أن الضغوط الأمريكية حالت دون تحقيق تقدم ملموس.

كما أعلنت الخارجية الإيرانية رفضها السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول إلى المنشآت النووية الإيرانية، مؤكدة أن مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة تمر بمرحلة حرجة بسبب ما وصفته بالانتهاكات الأمريكية المتكررة.

وشددت الوزارة على أن إيران لم تكن الطرف الذي بدأ خرق التفاهمات، وأن واشنطن لم تنتظر انتهاء المهلة المحددة المتعلقة بالتزامات هرمز، مؤكدة أن الضربات الإيرانية تستهدف القواعد العسكرية الأمريكية فقط، وأن طهران لن تتردد في الرد على أي هجوم ينطلق من أي دولة أو منطقة ضد أراضيها.

كما جددت مطالبة دول المنطقة بعدم السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها لتنفيذ عمليات عسكرية ضد إيران، معتبرة أن بيان الترويكا الأوروبية بشأن مضيق هرمز يفتقر إلى أي قيمة سياسية.

هرمز.. شريان الطاقة العالمي تحت التهديد

بالتزامن مع التصعيد العسكري، تحول مضيق هرمز إلى محور المواجهة بين واشنطن وطهران.

وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن المضيق سيظل مفتوحًا أمام الملاحة التجارية، فيما أفاد موقع "أكسيوس" بأن نحو 20 سفينة تجارية عبرت المضيق تحت تنسيق مباشر مع الجيش الأمريكي.

في المقابل، أظهرت بيانات شركة "كيبلر" تراجع حركة الملاحة بشكل ملحوظ، حيث عبرت ست سفن فقط المضيق يوم الأحد، من بينها ناقلة النفط العملاقة "هيومانيتي" المحملة بمليوني برميل من النفط الإيراني، إضافة إلى ناقلة "كابيتان أندرياس" التي تحمل نحو 500 ألف برميل من المنتجات النفطية الكويتية.

من جهتها، شددت مفوضة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي على ضرورة احترام حرية الملاحة الدولية وعدم فرض أي قيود أو رسوم داخل المضيق، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي سيواصل جهوده للحفاظ على بقاء هرمز مفتوحًا أمام التجارة العالمية.

أسعار النفط ترتفع وسط مخاوف اضطراب الإمدادات

انعكس التصعيد العسكري سريعًا على أسواق الطاقة العالمية، مع تصاعد المخاوف من تعطل إمدادات النفط عبر مضيق هرمز.

وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 2.67 دولار، أي بنسبة 3.51%، لتصل إلى 78.68 دولارًا للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 2.48 دولار، أو بنسبة 3.47%، ليسجل 73.89 دولارًا للبرميل.

ويرى مراقبون أن استمرار المواجهة العسكرية قد يدفع أسعار النفط إلى مزيد من الارتفاع، في ظل اعتماد جزء كبير من صادرات الطاقة العالمية على المرور عبر المضيق.

هجمات إيرانية تطال الكويت والبحرين وسلطنة عُمان

شهدت دول الخليج تطورات أمنية متلاحقة، بعدما أعلنت الكويت تعرض ثلاثة مراكز حدودية شمال البلاد لهجوم أدى إلى وقوع أضرار مادية، كما تعرضت منصة حفر بحرية تابعة لشركة نفط الكويت لهجوم بطائرة مسيرة أسفر عن إصابة أحد العاملين.

وأكدت رئاسة الأركان العامة للجيش الكويتي أن الدفاعات الجوية اعترضت أهدافًا معادية داخل المجال الجوي، موضحة أن أصوات الانفجارات التي سُمعت ناتجة عن عمليات الاعتراض.

وفي البحرين، أعلنت وزارة الداخلية تفعيل صافرات الإنذار مجددًا، داعية المواطنين والمقيمين إلى الالتزام بتعليمات السلامة والتوجه إلى المواقع الآمنة، في ظل استمرار التهديدات الجوية.

من جانبه، أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف منظومات رادار في سلطنة عُمان، إلى جانب منشآت وبنية تحتية عسكرية أمريكية في منطقة الجفير بالبحرين.

وفي المقابل، استدعت سلطنة عُمان السفير الإيراني وسلمته مذكرة احتجاج رسمية عقب تعرض مواقع في محافظتي مسندم والوسطى لهجمات بطائرات مسيرة، مؤكدة رفضها المساس بسيادة أراضيها ومشددة على أهمية احترام مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

إسرائيل ترفع حالة التأهب

وعلى الجانب الإسرائيلي، أفادت صحيفة "يديعوت أحرونوت" بأن تل أبيب رفعت مستوى التأهب الأمني عقب الضربات الأمريكية الأخيرة على إيران.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول إسرائيلي قوله إن الحكومة تتابع تطورات المواجهة بين واشنطن وطهران لحظة بلحظة، مؤكدًا أن إسرائيل ليست طرفًا مباشرًا في الصراع خلال المرحلة الحالية، لكنه أشار إلى أن هذا الوضع قد يتغير وفقًا لتطورات الميدان.

مواجهة مفتوحة تهدد استقرار المنطقة

تكشف التطورات الأخيرة أن الصراع الأمريكي الإيراني تجاوز مرحلة الرسائل العسكرية المحدودة، ليدخل مرحلة المواجهة المباشرة التي تمتد آثارها من العمق الإيراني إلى مياه الخليج العربي ودول الجوار.

ومع استمرار الضربات المتبادلة، وتزايد استهداف المنشآت العسكرية والبنية التحتية، وتنامي المخاوف بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، قد تعيد رسم موازين القوى الإقليمية، وتفرض تحديات جديدة على الأمن الدولي وأسواق الطاقة العالمية، في ظل غياب أي مؤشرات حقيقية على قرب احتواء الأزمة أو العودة إلى المسار الدبلوماسي.

بعد انهيار الهدوء الهش.. 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة بي...

من طاولة التفاوض إلى ساحات المواجهة.. كيف انهارت محادثات واشن...