لم يكن الطريق نحو استضافة كأس العالم 2026 مفروشًا بالنجيل الأخضر فقط، بل سبقته سنوات من التخطيط والاستعدادات الضخمة التي احتاجت إلى مليارات الدولارات حتى تخرج النسخة الأكبر في تاريخ البطولة بالشكل الذي يليق بالحدث العالمي، وبينما كانت الجماهير تترقب المباريات والنجوم، كانت الولايات المتحدة تخوض سباقًا من نوع آخر لتجهيز المدن والملاعب وشبكات النقل والأمن لاستقبال ملايين الزوار.
كم أنفقت أمريكا لاستضافة كأس العالم 2026؟
وجاءت استضافة كأس العالم 2026 بشكل مشترك بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، إلا أن النصيب الأكبر من المباريات أُقيم على الأراضي الأمريكية، حيث استضافت 11 مدينة معظم منافسات البطولة، وهو ما جعل العبء الأكبر من الاستعدادات يقع على الولايات المتحدة.
وعلى عكس العديد من الدول التي سبقتها في تنظيم كأس العالم، لم تعتمد أمريكا على إنشاء ملاعب جديدة بتكاليف هائلة، بل استفادت من امتلاكها مجموعة من أكبر وأحدث الملاعب الرياضية في العالم، والتي تستضيف منافسات دوري كرة القدم الأمريكية، لذلك، اتجهت إلى تطوير هذه الملاعب وتحديث أنظمتها التقنية والخدمية بما يتناسب مع متطلبات الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا".
لكن توفير الملاعب لم يكن يعني أن فاتورة التنظيم ستكون منخفضة، إذ وجهت الولايات المتحدة استثمارات ضخمة إلى تطوير البنية التحتية، وشملت تحديث المطارات، وتحسين شبكات الطرق، ورفع كفاءة وسائل النقل العام، وإنشاء مناطق مخصصة للمشجعين، إلى جانب تطوير الخدمات الرقمية وشبكات الاتصالات لتلبية احتياجات ملايين الزوار المتوقع حضورهم خلال البطولة.
واستحوذ الملف الأمني على جزء كبير من الإنفاق، حيث خصصت الحكومة الأمريكية نحو 625 مليون دولار لدعم الإجراءات الأمنية الخاصة بالبطولة، في ظل تصنيف كأس العالم كواحد من أكبر الأحداث الجماهيرية في العالم. وشملت هذه المخصصات تعزيز أنظمة المراقبة، وتأمين الملاعب، وإدارة الحشود، والاستجابة السريعة لأي طوارئ محتملة.
كما أنفقت المدن المستضيفة مئات الملايين من الدولارات على التجهيزات التشغيلية، بداية من حملات الترويج السياحي، مرورًا بتدريب آلاف المتطوعين، ووصولًا إلى تطوير المرافق العامة وتحسين الخدمات المقدمة للجماهير، وفي الوقت نفسه، ضخت شركات القطاع الخاص استثمارات كبيرة في الفنادق والمطاعم ووسائل الترفيه، استعدادًا لاستقبال الأعداد القياسية من الزائرين.
ورغم أن الولايات المتحدة نجحت في خفض تكاليف بناء الملاعب مقارنة ببطولات سابقة مثل البرازيل 2014 أو قطر 2022، فإن إجمالي الإنفاق المباشر وغير المباشر على الاستعدادات قُدر بعشرات المليارات من الدولارات، خاصة إذا أُضيفت إليه الاستثمارات الخاصة ومشروعات تطوير البنية التحتية التي ارتبطت باستضافة الحدث.
ورأت الإدارة الأمريكية أن هذه النفقات ليست مجرد تكلفة لتنظيم بطولة تستمر شهرًا واحدًا، وإنما استثمار طويل الأجل يهدف إلى تنشيط الاقتصاد، وتعزيز السياحة، وتحسين البنية التحتية، وخلق فرص عمل جديدة، مع توقعات بأن تستفيد المدن المستضيفة من هذه المشروعات لسنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة.
وبحسب التقديرات الاقتصادية، فإن كأس العالم 2026 من المنتظر أن يضيف أكثر من 17 مليار دولار إلى الناتج المحلي الأمريكي، مع نشاط اقتصادي يتجاوز 40 مليار دولار، إلى جانب توفير ما يزيد على 185 ألف فرصة عمل، وهي أرقام دفعت كثيرين إلى اعتبار البطولة واحدة من أكبر الاستثمارات الرياضية في تاريخ الولايات المتحدة.
