لم تنتهِ قصة كأس العالم 2026 بإسدال الستار على المباراة النهائية، فبعيدًا عن الاحتفالات وتتويج البطل، بدأت الأرقام تكشف الوجه الآخر للبطولة، فبعد سنوات من الإنفاق الضخم على الاستعدادات، جاء وقت الإجابة عن السؤال الذي شغل الاقتصاديين قبل الجماهير: هل نجحت الولايات المتحدة في جني ثمار استضافة أكبر نسخة في تاريخ كأس العالم؟
كم ربحت أمريكا من كأس العالم 2026؟
منذ اللحظة الأولى لانطلاق البطولة، شهدت المدن الأمريكية المستضيفة حركة اقتصادية غير مسبوقة، بعدما توافد ملايين المشجعين من مختلف أنحاء العالم، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الفنادق والمطاعم ووسائل النقل وشركات الطيران والمتاجر والأسواق.
وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن كأس العالم 2026 أضاف أكثر من 17 مليار دولار إلى الناتج المحلي الأمريكي، بينما تجاوز إجمالي النشاط الاقتصادي الذي ولدته البطولة 40 مليار دولار، في واحدة من أكبر المكاسب الاقتصادية المرتبطة بحدث رياضي في تاريخ الولايات المتحدة.
كما ساهمت البطولة في توفير أكثر من 185 ألف فرصة عمل، سواء بشكل مباشر داخل الملاعب ومراكز التنظيم، أو بصورة غير مباشرة في قطاعات السياحة والضيافة والنقل والتجارة والخدمات، وهو ما منح الاقتصاد الأمريكي دفعة قوية خلال فترة إقامة البطولة.
وكان قطاع السياحة أحد أبرز المستفيدين، إذ سجلت الفنادق في المدن المستضيفة نسب إشغال مرتفعة للغاية، مع ارتفاع أسعار الإقامة نتيجة الطلب الكبير، بينما شهدت المطاعم والمقاهي ومراكز التسوق إقبالًا غير مسبوق من الجماهير القادمة من مختلف القارات.
ولم تقتصر المكاسب على السياحة فقط، بل امتدت إلى شركات الطيران والنقل الداخلي، التي استفادت من ملايين الرحلات بين المدن المستضيفة، إضافة إلى شركات التكنولوجيا والاتصالات التي قدمت خدماتها طوال فترة البطولة.
كما ساهمت البطولة في الترويج للولايات المتحدة كوجهة سياحية عالمية، إذ شاهد مئات الملايين حول العالم المدن الأمريكية ومعالمها خلال النقل التلفزيوني، وهو ما يُتوقع أن ينعكس على زيادة أعداد السائحين خلال السنوات المقبلة.
ورغم هذه المكاسب الضخمة، فإن جزءًا كبيرًا من الإيرادات المباشرة للبطولة لم يدخل خزينة الولايات المتحدة، بل ذهب إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، الذي حقق مليارات الدولارات من حقوق البث التلفزيوني، والرعاة، وبيع التذاكر، والتسويق التجاري.
ويرى خبراء الاقتصاد أن المكسب الحقيقي للولايات المتحدة لم يكن في بيع التذاكر أو حقوق النقل، وإنما في تنشيط الاقتصاد المحلي، ورفع معدلات الإنفاق الاستهلاكي، وزيادة الاستثمارات، وتحسين صورة البلاد عالميًا، وهي فوائد قد تستمر لسنوات بعد انتهاء البطولة.
وبالنظر إلى الأرقام، تبدو الولايات المتحدة قد نجحت في تحويل كأس العالم إلى مشروع اقتصادي ضخم، إذ لم يكن الهدف مجرد تنظيم بطولة كروية، بل استغلال الحدث العالمي لتحريك عجلة الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وتعزيز قطاع السياحة، وهو ما تحقق بدرجة كبيرة وفق معظم التقديرات الاقتصادية.
ورغم اختلاف الآراء حول حجم الأرباح الصافية مقارنة بحجم الإنفاق، فإن المؤكد أن كأس العالم 2026 لم يكن مجرد شهر من كرة القدم، بل كان واحدًا من أكبر المشروعات الاقتصادية والرياضية التي شهدتها الولايات المتحدة في العقد الأخير، ليؤكد من جديد أن المونديال أصبح صناعة تدر مليارات الدولارات، وليس مجرد بطولة لتحديد بطل العالم.
