قضايا الحجر على الوالدين.. بين الحماية القانونية وصراعات الميراث
أعادت قضايا الحجر من الأبناء على آبائهم وأمهاتهم، خاصة مع تكرارها في ساحات القضاء خلال السنوات الأخيرة، فتح نقاش واسع حول الحدود الفاصلة بين حماية كبار السن والحفاظ على حقوقهم، وبين استغلال هذا الإجراء القانوني في نزاعات أسرية أو خلافات تتعلق بالميراث وإدارة الممتلكات.
ورغم أن القانون يجيز الحجر في حالات محددة، فإنه يربطه بثبوت وجود قصور في الأهلية يمنع الشخص من إدارة شؤونه بنفسه، وهو ما يستوجب تقييمًا طبيًا ونفسيًا دقيقًا، بعيدًا عن أي دوافع شخصية أو أسرية.
وفي هذا السياق، قالت الدكتورة تقى شريف، استشاري الإرشاد النفسي والتربوي، إن الواقعة الأخيرة وهي رفض دعوى الحجر على الدكتور صديق عفيفي،"تفتح بابًا مهمًا للنقاش حول سؤال جوهري: متى يكون الحجر على شخص كبير في السن إجراءً ضروريًا لحمايته، ومتى يتحول إلى أداة في الصراع الأسري؟".
قضايا الحجر على الأباء
وأوضحت الدكتورة تقى شريف في تصريح خاص لـ "خمسة سياسة"، أن الحجر، من الناحية القانونية، هو إجراء هدفه الأساسي حماية الشخص وأمواله، ويُطبق فقط عندما يثبت وجود قصور في الأهلية العقلية يمنعه من إدارة شؤونه وممتلكاته بصورة سليمة.
تآثير دعوى الحجر على الحالة النفسية
وأضافت أن هناك نقطة التقاء مهمة بين القانون وعلم النفس، تتمثل في أن التقدم في العمر لا يعني بالضرورة فقدان الأهلية أو القدرة على اتخاذ القرار، مؤكدة أن التراجع الطبيعي في بعض القدرات المعرفية المصاحب للتقدم في السن لا يترتب عليه تلقائيًا فقدان الأهلية القانونية.
وأشارت إلى أن هناك حالات مرضية حقيقية، مثل الخرف بأنواعه أو مرض الزهايمر، قد تستدعي تقييمًا طبيًا ونفسيًا متخصصًا، وربما تستوجب اتخاذ إجراءات قانونية لحماية الشخص ومصالحه، لكن هذا القرار يجب أن يكون مبنيًا على تشخيص علمي دقيق، وليس على مجرد الانطباعات أو الخلافات الأسرية.
وأكدت أن بعض دعاوى الحجر قد تكون مدفوعة بالرغبة في السيطرة على الأموال أو الحصول على الميراث مبكرًا، أو نتيجة سوء فهم للتغيرات الطبيعية المصاحبة للتقدم في العمر، وهو ما يجعل من الضروري إخضاع كل حالة لتقييم نفسي وعصبي شامل يقيس قدرة الشخص على الفهم واتخاذ القرار وإدراك عواقب تصرفاته المالية.
وشددت على ضرورة التفرقة الواضحة بين الرغبة الحقيقية في حماية كبار السن وبين الرغبة في السيطرة على ممتلكاتهم، مؤكدة أن الهدف من أي إجراء قانوني يجب أن يكون الحفاظ على مصلحة الشخص وكرامته، وليس الانتقاص من حقوقه.
ولفتت إلى وجود جانب آخر غالبًا ما يتم تجاهله، وهو الرعاية النفسية والاجتماعية لكبار السن، موضحة أن كثيرًا منهم يعانون من العزلة والشعور بفقدان القيمة، إلى جانب تعرضهم لأشكال مختلفة من الإهمال النفسي والاجتماعي، وهو ما قد يؤثر على حالتهم العامة.
وأضافت أن مخاوف بعض الأبناء المتعلقة بالأموال أو الممتلكات قد تنعكس أحيانًا على تقييمهم لقدرات الوالدين، فيتم الخلط بين التغيرات الطبيعية المرتبطة بالعمر وبين فقدان الأهلية، وهو أمر يستوجب الحذر والاعتماد على رأي المختصين.
واختتمت الدكتورة تقى شريف تصريحها بالتأكيد على أن حماية كبار السن لا تعني سلبهم أموالهم أو ممتلكاتهم، وإنما تعني أولًا وأخيرًا احترام كرامتهم، وصون حقهم في اتخاذ قراراتهم وتقرير مصيرهم، طالما كانوا يتمتعون بالأهلية والقدرة على ذلك.
