تتحرك الحكومة المصرية بخطى متسارعة نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني جديد، يفترض أن يشكل خارطة الطريق للمرحلة التالية لانتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، في خطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية متشابكة. فبينما تسوّق الحكومة للبرنامج باعتباره وثيقة "مصرية خالصة" تنهي مرحلة الارتهان لتوصيات المؤسسات الدولية، يرى اقتصاديون أن توقيت الإعلان يسبق فعليًا اكتمال العلاقة مع الصندوق، وأن الخروج من برنامج تمويلي لا يعني بالضرورة الخروج من فلسفته وسياساته التي حكمت القرار الاقتصادي المصري لسنوات.

تكليف رئاسي وخطة تنفيذية متسارعة

انطلقت فكرة البرنامج الجديد من توجيهات رئاسية مباشرة، حين وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال كلمته في افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية، بضرورة الإسراع في إعداد برنامج اقتصادي وطني شامل يبدأ تنفيذه فور انتهاء برنامج الإصلاح الحالي مع صندوق النقد الدولي. وترجمت الحكومة هذا التكليف إلى سلسلة اجتماعات متتالية ترأسها رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، بمشاركة نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية الدكتور حسين عيسى، ومحافظ البنك المركزي حسن عبد الله، ووزير المالية أحمد كجوك، إلى جانب عدد من الوزراء المعنيين بالملفات الاقتصادية والاستثمارية والنقدية والصناعية.

وشدد مدبولي، بحسب المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء، على ضرورة أن يصاغ البرنامج بأسلوب واضح يخاطب المواطن العادي بقدر ما يخاطب الخبراء والمؤسسات الاقتصادية، على أن يتضمن محددات دقيقة وأهدافًا قابلة للقياس وآليات موضوعية لتقييم الأداء، بما يضمن إمكانية متابعة التنفيذ لاحقًا بعيدًا عن الصياغات العامة. كما تقرر طرح البرنامج للحوار المجتمعي مع الخبراء والمتخصصين قبل اعتماده في صورته النهائية، ثم عرضه على رئيس الجمهورية تمهيدًا لإعلانه رسميًا.

الارتكاز على منجزات سابقة لا القطيعة معها

على عكس ما قد يوحي به الاسم، لا يبدو أن البرنامج الجديد يهدف إلى القطيعة مع المسار الذي اتبعته الحكومة خلال سنوات برنامج الإصلاح الهيكلي، بل يقوم على الاستفادة من الأسس التي أرسيت خلال تلك الفترة. فقد أكد الاجتماع الحكومي أن البرنامج سيرتكز على ما تحقق في إطار البرنامج الوطني للإصلاحات الهيكلية، إلى جانب السردية الوطنية للتنمية الشاملة، ورؤية مصر 2030، باعتبارها الركائز الأساسية لصياغة المرحلة المقبلة.

هذا التموضع يكشف أن الحكومة لا تنوي إعادة اختراع السياسات الاقتصادية من الصفر، وإنما إعادة تعبئتها ضمن إطار "وطني" يمنحها شرعية سياسية أكبر داخليًا، في وقت تسعى فيه الدولة إلى تصدير رسالة استقلال القرار الاقتصادي عن الشروط الخارجية، خصوصًا مع تصاعد الحديث الشعبي والسياسي حول أعباء برامج التقشف المرتبطة تاريخيًا بتوصيات صندوق النقد.

واقع العلاقة مع الصندوق لم ينته بعد

رغم زخم التصريحات الحكومية حول "ما بعد الصندوق"، تشير المعطيات الفعلية إلى أن العلاقة التمويلية مع المؤسسة الدولية لم تُغلق ملفاتها بعد. فمصر توصلت في نهاية يونيو 2026 إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة السابعة من برنامج التسهيل الائتماني الممدد، وهو اتفاق لا يزال معلقًا على موافقة المجلس التنفيذي للصندوق واستكمال الحكومة لالتزاماتها المتفق عليها. كما استمرت مصر في سداد التزاماتها الشهرية، إذ سددت نحو 263.7 مليون دولار خلال يوليو ضمن التزامات برنامج الإصلاح، فيما لا يزال من المقرر أن يمتد البرنامج الحالي حتى ديسمبر المقبل بحسب تصريحات مسؤولين اقتصاديين سابقين في الصندوق.

ويرى خبراء أن الفصل بين "برنامج حالي منتهي الأجل" و"برنامج مقبل خالص الهوية الوطنية" ينطوي على قدر من التبسيط، ذلك أن انتهاء الاتفاق التمويلي الرسمي مع الصندوق لا يعني تلقائيًا التحرر من السياسات والفلسفة الاقتصادية التي حكمت القرار خلال سنوات البرنامج، خصوصًا فيما يتعلق بضبط عجز الموازنة، ومرونة سعر الصرف، وتحرير الأسعار تدريجيًا من الدعم المباشر.

بين التفاؤل الحكومي والتحذيرات الاقتصادية

تحرص الحكومة على تقديم البرنامج الجديد باعتباره نقلة نوعية تنقل الاقتصاد المصري من مرحلة "تثبيت الاستقرار" إلى مرحلة "الانطلاق نحو النمو المستدام"، مع التركيز على تحسين مستوى معيشة المواطنين كهدف مركزي. وفي المقابل، يشدد اقتصاديون على أن نجاح أي برنامج وطني جديد سيتوقف على مدى قدرته على الانتقال من منطق الاقتراض إلى منطق الإنتاج والاستثمار الحقيقي، عبر إعادة هيكلة الاقتصاد ورفع كفاءة استغلال الموارد المحلية، بدلًا من تكرار الاعتماد على مصادر التمويل الخارجي لسد فجوات الموازنة.

كما يحذر بعض المتابعين من أن غياب التفاصيل الدقيقة حول آليات القياس والمساءلة قد يحول البرنامج إلى وثيقة طموحات عامة شبيهة بمستندات سابقة، ما لم يقترن الإعلان الرسمي عنه بمؤشرات أداء واضحة يمكن قياس التقدم فيها بمرور الوقت، وهو الشرط الذي شدد عليه رئيس الوزراء نفسه في اجتماعاته الأخيرة.

وتزامن الإعلان عن هذا التوجه مع سياق إقليمي مضطرب، حيث لا تزال التداعيات الاقتصادية للتوترات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيرها على تدفقات النقد الأجنبي وإيرادات قطاع السياحة، عاملًا ضاغطًا على قدرة الدولة على المناورة بحرية كاملة بعيدًا عن أطر التمويل الدولي التقليدية، ما يجعل مسألة "الاستقلال الاقتصادي الكامل" مرهونة بعوامل خارجة عن الإرادة السياسية وحدها.

في المحصلة، يبقى البرنامج الاقتصادي الوطني الجديد بين مسارين: مسار يقرأه كخطوة نحو تعزيز الملكية المصرية للقرار الاقتصادي بعد سنوات من الإصلاحات المؤلمة اجتماعيًا، ومسار آخر يراه استمرارًا لنفس المنهج بغلاف سياسي جديد، إلى أن تتضح تفاصيله الكاملة عقب طرحه للحوار المجتمعي وعرضه على رئيس الجمهورية تمهيدًا لإعلانه رسميًا.