70 عامًا على تأميم قناة السويس.. القرار الذي غيّر تاريخ مصر وأعاد رسم خريطة النفوذ العالمي

لم تكن الساعة تشير فقط إلى مساء السادس والعشرين من يوليو عام 1956، بل إلى لحظة فارقة في تاريخ مصر والمنطقة والعالم.

ففي ميدان المنشية بمدينة الإسكندرية، وأمام عشرات الآلاف من المصريين، أعلن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر القرار الذي هزّ العواصم الغربية، وأشعل واحدة من أخطر الأزمات الدولية في القرن العشرين، حين قال عبارته الشهيرة: "تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية".

تأميم قناة السويس 

لم يكن القرار مجرد نقل ملكية شركة، بل إعلانًا صريحًا بأن مصر استعادت سيادتها على أهم ممر ملاحي في العالم، بعد عقود طويلة من الهيمنة الأجنبية على شريان يمر داخل أراضيها ويخدم التجارة العالمية.

وبعد مرور 70 عامًا، لا يزال تأميم قناة السويس يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز قرارات الاستقلال الوطني والسيادة الاقتصادية في التاريخ المصري الحديث، بينما تواصل القناة أداء دورها الحيوي باعتبارها أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

من امتياز أجنبي إلى شريان عالمي

افتُتحت قناة السويس رسميًا للملاحة في 17 نوفمبر عام 1869، بعد نحو عشر سنوات من أعمال الحفر التي شارك فيها مئات الآلاف من المصريين، وسط ظروف عمل قاسية أودت بحياة الآلاف منهم.

وتولت إدارة القناة "الشركة العالمية لقناة السويس البحرية"، التي تأسست بموجب امتياز حصل عليه الدبلوماسي الفرنسي فرديناند دي لسبس لمدة 99 عامًا، على أن تنتهي مدة الامتياز عام 1968 وتعود القناة كاملة إلى الإدارة المصرية.

ورغم أن الشركة كانت مسجلة قانونيًا كشركة مساهمة مصرية، فإن السيطرة الفعلية عليها كانت فرنسية وبريطانية، خاصة بعدما اشترت الحكومة البريطانية عام 1875 أسهم الخديوي إسماعيل، لتصبح أكبر مساهم منفرد في الشركة، فيما احتفظ المستثمرون الفرنسيون بالنسبة الأكبر من باقي الأسهم.

ومع مرور السنوات، تحولت القناة إلى الشريان الرئيسي للإمبراطورية البريطانية، إذ اختصرت الطريق إلى الهند ومستعمرات آسيا، ثم ازدادت أهميتها مع تنامي تجارة النفط القادمة من الخليج والشرق الأوسط.

السد العالي.. الشرارة التي قادت إلى التأميم

يرتبط قرار التأميم مباشرة بمشروع السد العالي، الذي اعتبرته قيادة ثورة يوليو المشروع القومي الأكبر لتحقيق التنمية الزراعية والصناعية وتوليد الكهرباء.

وبدأت مصر مفاوضات مع الولايات المتحدة وبريطانيا والبنك الدولي لتمويل المشروع، إلا أن العلاقات السياسية المتوترة بين القاهرة والغرب، بعد صفقة الأسلحة التشيكية عام 1955، ورفض مصر الانضمام للأحلاف العسكرية الغربية، واعترافها بالصين الشعبية، دفعت الولايات المتحدة والبنك الدولي إلى سحب عرض تمويل السد في يوليو 1956.

بعد أيام قليلة فقط، جاء الرد المصري بإعلان تأميم شركة قناة السويس، بهدف توجيه إيرادات القناة إلى تمويل بناء السد العالي، في خطوة حملت أبعادًا اقتصادية وسياسية واستراتيجية في آن واحد.

لماذا كان القرار قانونيًا؟

استندت مصر إلى أن الشركة كانت تعمل داخل الأراضي المصرية بموجب امتياز قابل للانتهاء، وأن اتفاقية القسطنطينية لعام 1888 كفلت حرية الملاحة في القناة، لكنها لم تمنح الشركة ملكية القناة نفسها، كما لم تحظر على الدولة المصرية تأميم الشركة مع تعويض المساهمين.

ولهذا نص قانون التأميم على انتقال جميع أموال الشركة وحقوقها والتزاماتها إلى الدولة المصرية، مع تعويض المساهمين وفق سعر الأسهم في بورصة باريس قبل صدور القرار.

ماذا كانت تحصل مصر قبل التأميم؟

تكشف الوثائق التاريخية أن مصر لم تكن تستفيد من القناة بالشكل الذي يتناسب مع أهميتها الاقتصادية.

فوفق امتياز الحفر، كان من المفترض أن تحصل مصر على 15% من الأرباح، إلا أن الواقع كان مختلفًا، إذ كانت الحكومة المصرية تدفع رسوم عبور سفنها للقناة مثلها مثل أي دولة أجنبية.

وفي عام 1937 بدأت الشركة تمنح مصر مبلغًا سنويًا قدره 1.5 مليون دولار، ثم عُدلت الحصة عام 1949 إلى 7% من صافي الأرباح.

وقبل التأميم بعام واحد، بلغ صافي ما دخل الخزانة المصرية من القناة نحو 11 مليون جنيه فقط، وهو رقم لم يكن يمثل سوى أقل من 1.5% من الدخل القومي المصري، ونحو 5.7% من إيرادات الموازنة العامة آنذاك، بينما كانت غالبية عائدات القناة تذهب إلى المساهمين الأجانب.

أزمة السويس.. عندما تحول القرار إلى مواجهة دولية

لم يمر قرار التأميم بهدوء، إذ اعتبرته بريطانيا وفرنسا تهديدًا مباشرًا لمصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية.

وفي 29 أكتوبر 1956 بدأت إسرائيل هجومها على سيناء، أعقبه التدخل العسكري البريطاني الفرنسي فيما عُرف بالعدوان الثلاثي على مصر، بهدف إسقاط نظام عبد الناصر واستعادة السيطرة على القناة.

لكن الضغوط الدولية، خاصة من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، إضافة إلى موقف الأمم المتحدة، أجبرت الدول المعتدية على الانسحاب، ليخرج قرار التأميم أكثر رسوخًا، ويتحول إلى رمز لانتصار الإرادة الوطنية في مواجهة القوى الاستعمارية.

المصريون يديرون القناة

بعد التأميم، انسحب المرشدون والفنيون الأجانب من القناة في محاولة لتعطيل الملاحة وإحراج الإدارة المصرية.

غير أن الحكومة المصرية نجحت في إدارة المرفق الحيوي بالاعتماد على الكوادر المصرية، والاستعانة بعدد من المرشدين من الدول الصديقة، لتستمر الملاحة بصورة طبيعية، في واحدة من أهم محطات نجاح الإدارة المصرية بعد التأميم.

من مصدر محدود للدخل إلى أحد أعمدة الاقتصاد

على مدار سبعة عقود، تحولت قناة السويس إلى أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري، وشهدت عمليات تطوير متتالية كان أبرزها مشروع قناة السويس الجديدة عام 2015، ثم مشروعات تطوير القطاع الجنوبي وتوسعة أجزاء من المجرى الملاحي بعد حادث جنوح السفينة "إيفر جيفن" عام 2021.

وتستوعب القناة اليوم نحو 12% من حجم التجارة العالمية، ونسبة كبيرة من تجارة الحاويات، كما تعد أقصر طريق بحري بين أوروبا وآسيا، الأمر الذي يجعلها أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.

سبعون عامًا من السيادة

بعد مرور سبعين عامًا على قرار التأميم، لم يعد الحدث مجرد صفحة في كتب التاريخ، بل أصبح محطة مفصلية أعادت رسم علاقة مصر بأحد أهم مواردها الاستراتيجية، ورسخت مفهوم السيادة الوطنية على مقدرات الدولة.

ولا تزال قناة السويس، التي كانت يومًا رمزًا للصراع الدولي، تمثل اليوم عنوانًا لقدرة الدولة المصرية على إدارة واحد من أهم الممرات الملاحية في العالم، بينما يبقى قرار السادس والعشرين من يوليو 1956 أحد أكثر القرارات تأثيرًا في التاريخ المصري الحديث، ليس فقط لأنه غيّر ملكية شركة، وإنما لأنه غيّر معادلة القوة والسيادة في المنطقة بأسرها.

للمزيد اضغط هنـــــــــــــــــــــــــا 

للمزيد اضغط هنـــــــــــــــــــــــــا