شهد شاطئ القمر بمدينة طور سيناء في محافظة جنوب سيناء، اليوم الخميس، واقعة غرق جديدة راح ضحيتها شاب يدعى محمد مجدي عطية محمد، من محافظة الشرقية، بعدما جرفته المياه إلى منطقة عميقة أثناء استحمامه في البحر، وظل يصارع الأمواج قبل أن يفارق الحياة أمام أنظار المتواجدين على الشاطئ.
تلقت غرفة عمليات النجدة بمديرية أمن جنوب سيناء بلاغًا بالواقعة، فتحركت فرق الإنقاذ وتمكنت بعد بحث من العثور على جثمان الشاب ونقله إلى مشرحة مجمع الفيروز الطبي بمدينة طور سيناء، تحت تصرف جهات التحقيق التي حررت محضرًا بالواقعة واتخذت الإجراءات القانونية اللازمة.
وتعيد هذه الحادثة إلى الواجهة تساؤلًا يتجدد مع كل موسم صيف: هل باتت شواطئ مصر آمنة بما يكفي لملايين المصطافين الذين يقصدونها سنويًا؟
شاطئ القمر.. بؤرة متكررة لحوادث الغرق
لا تمثل واقعة اليوم استثناءً على شاطئ القمر بمدينة طور سيناء، إذ سبق أن شهدت المنطقة نفسها أكثر من حادثة غرق مأساوية خلال الأعوام الأخيرة. ففي يونيو 2025، لقي طالب بكلية الطب البشري يدعى عبدالله الباز مصرعه غرقًا في الشاطئ ذاته بعدما انزلق إلى منطقة عميقة ومحظور النزول إليها رغم وجود لافتات تحذيرية،
وأكد رئيس مدينة طور سيناء حينها أن الطالب تجاوز المناطق الآمنة المخصصة للسباحة وتوغل في منطقة خطر. وفي يونيو 2026، لقي شاب يبلغ من العمر 19 عامًا يدعى عمار مصطفى عرفة مصرعه غرقًا في منطقة حجر الميه القريبة من شاطئ القمر، بعدما انجرف داخل عمق المياه وحاول أصدقاؤه إنقاذه دون جدوى.
وبحسب تصريحات سابقة لمحافظ جنوب سيناء، فإن شواطئ المحافظة آمنة بشكل عام باستثناء بعض المناطق الخطرة التي يُحظر السباحة فيها، موضحًا أن منطقة شاطئ القمر التي تكررت فيها حوادث الغرق خضعت لعمليات "تكريك" لزيادة عمق المياه أكثر من مرة، في إطار تطوير ميناء الصيد وميناء الطور، ما أدى إلى زيادة مفاجئة في عمق المياه بالقرب من الشاطئ.
ووفق هذا التفسير، فإن المصطاف الذي يمشي في مياه ضحلة ثم يواصل التقدم قد يُفاجأ بانعدام الأرضية تحت قدميه، وإذا لم يكن يجيد السباحة، خاصة في ظل رياح وتيارات قوية، فإنه يتعرض لخطر الغرق دون سابق إنذار.
ظاهرة ممتدة على امتداد الساحل المصري
لا تقتصر أزمة الغرق على شاطئ بعينه، بل تتكرر على امتداد السواحل المصرية شمالًا وجنوبًا مع كل موسم صيف. ففي محافظة شمال سيناء، سجلت شواطئ مدينة العريش ثلاث حالات غرق خلال أقل من أسبوع واحد الشهر الماضي، إحداها لشاب توفي أثناء محاولته إنقاذ فتاة من الغرق، ما دفع الجهات المعنية إلى تجديد التحذيرات من النزول إلى البحر في غياب المنقذين. وفي الساحل الشمالي على البحر المتوسط، أدى اضطراب بحري وارتفاع في الأمواج إلى إغلاق عدد من الشواطئ بعد تسجيل وفيات متعددة خلال يوم واحد، من بينها أربع حالات غرق في جمصة وحالتان في بورسعيد.
كما تشهد شواطئ مدينة رأس البر بمحافظة دمياط بشكل شبه سنوي حالات غرق عديدة تستدعي تدخل فرق الإنقاذ بشكل مكثف، فيما وصف أحد منقذي شواطئ الإسكندرية الأوضاع في مواسم سابقة بأنها كانت أشبه بـ"مقبرة مفتوحة" نتيجة ضعف الالتزام بتعليمات السلامة وصعوبة الظروف المناخية المتمثلة في التيارات المائية القوية وارتفاع الأمواج. ويشير خبراء الإنقاذ إلى أن غالبية حالات الغرق ترتبط بثلاثة أسباب رئيسية متكررة: النزول إلى مناطق غير مخصصة للسباحة أو غير مراقبة بمنقذين، السباحة في أوقات ارتفاع الأمواج أو رفع الرايات الحمراء التحذيرية، ومحاولات الإنقاذ الفردية من قبل أشخاص غير مدربين تنتهي أحيانًا بغرق المنقِذ نفسه إلى جانب الضحية الأصلية.
جهود التطوير مقابل استمرار الحوادث
في المقابل، تحرص عدد من المحافظات الساحلية على الترويج لجهودها في تطوير منظومة السلامة على الشواطئ. فقد أعلنت محافظة الإسكندرية استعدادها لموسم صيف 2026 تحت شعار "شواطئ بلا غرقى"، بالتنسيق مع الجهات المعنية لتطبيق منظومة إنقاذ متكاملة ورفع كفاءة إجراءات السلامة لحماية أرواح المصطافين.
وأكدت المحافظة أنها نجحت خلال هذا الموسم في بناء منظومة متكاملة جعلت شواطئها أكثر أمانًا وتنظيمًا من الأعوام السابقة، كما دفعت مديرية الشباب والرياضة بشمال سيناء بفرق إنقاذ إضافية إلى الشواطئ المفتوحة وأحواض التدريب بالتنسيق مع الجهات المعنية، في إطار تكثيف الرقابة خلال ذروة موسم الاصطياف.
وتشدد الجهات المعنية بشكل متكرر بعد كل حادثة على ضرورة الالتزام بالشواطئ المخصصة للسباحة التي يتواجد بها منقذون ومعدات إنقاذ، ومنع النزول إلى البحر عند رفع الراية الحمراء التي تشير إلى خطورة السباحة، وتجنب النزول قبل المواعيد الرسمية أو بعد غروب الشمس، إلى جانب مطالبة أولياء الأمور بمتابعة أبنائهم ومنعهم من النزول منفردين.
غير أن تكرار حوادث الغرق موسمًا بعد آخر، وفي المواقع نفسها أحيانًا كما هو الحال في شاطئ القمر، يكشف عن فجوة بين هذه التوجيهات الرسمية والتنفيذ الفعلي على أرض الواقع، سواء من حيث الكثافة الفعلية لتواجد المنقذين، أو وضوح العلامات التحذيرية في المناطق التي طرأ عليها تغيير مفاجئ في طبيعة قاع البحر نتيجة أعمال التكريك أو التوسعات المينائية، أو مدى وعي المصطافين أنفسهم بمخاطر السباحة في مناطق غير مراقبة.
تكشف واقعة غرق اليوم في شاطئ القمر بطور سيناء، مضافة إلى سلسلة الحوادث المشابهة التي تكررت في المكان نفسه وفي شواطئ أخرى من العريش إلى جمصة ورأس البر، أن سلامة الشواطئ المصرية لا تزال قضية تتفاوت معالجتها من محافظة لأخرى ومن موسم لآخر. فبينما تسجل بعض المحافظات كالإسكندرية تقدمًا ملموسًا في تطوير منظومة الإنقاذ والرقابة، تبقى مناطق أخرى، خصوصًا تلك التي شهدت تغيرات مفاجئة في طبوغرافيا قاع البحر أو التي تفتقر لتواجد كافٍ للمنقذين، عرضة لتكرار المأساة ذاتها. ويبقى السؤال الأهم معلقًا: هل تكفي التحذيرات اللفظية بعد وقوع كل حادثة، أم أن الأمر يستدعي خريطة وطنية موحدة ومحدثة للمناطق الخطرة على طول السواحل المصرية، مقترنة برقابة ميدانية صارمة وإلزامية تحول دون وصول المصطافين أصلًا إلى نقاط الخطر؟
