تصاعدت حدة التوتر في جنوب لبنان، مع تكثيف قوات الاحتلال الإسرائيلي قصفها المدفعي والغارات الجوية على عدد من البلدات والمناطق الجنوبية، بالتزامن مع استمرار الغموض بشأن موعد استئناف المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، وسط تحركات لبنانية لحشد دعم عربي ودولي للضغط من أجل وقف الاعتداءات وتنفيذ الالتزامات المرتبطة باتفاق الإطار.

وشن الجيش الإسرائيلي قصفًا مدفعيًا واسعًا استهدف ضواحي منطقة ميفدون، بالقرب من بلدة زوطر الشرقية، فيما نفذ الطيران الإسرائيلي غارات جوية على بلدة المنصوري، تزامنت مع قصف استهدف الأراضي المشتركة بين المنصوري ومجدل زون، جنوب مدينة صور.

كما استهدفت غارة جوية إسرائيلية منزلًا في أطراف بلدة برعشيت في قضاء بنت جبيل، في وقت أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بتنفيذ الجيش الإسرائيلي تفجيرًا ضخمًا على مرحلتين في المنطقة الواقعة بين بلدتي أرنون وكفر رمان.

وتعرضت ضواحي ميفدون، بالقرب من زوطر الشرقية، لقصف مدفعي إسرائيلي متقطع، في إطار تصعيد ميداني متواصل تشهده مناطق عدة من جنوب لبنان.

تصعيد حول مرتفعات «الطارة»

ويأتي هذا التصعيد وسط مؤشرات على احتمال دخول المواجهة مرحلة جديدة، في ظل تكثيف الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية في محيط مرتفعات «الطارة»، التي تتمتع بأهمية استراتيجية في جنوب لبنان.

وتتعرض المنطقة، بحسب المعطيات المتداولة، لقصف متكرر باستخدام الطائرات الحربية والمسيرات والمدفعية والقنابل الحارقة، ما يعزز المخاوف من احتمال تنفيذ عملية عسكرية أوسع بهدف فرض السيطرة على المرتفعات والمناطق المحيطة بها.

ويزيد التصعيد الميداني من تعقيدات المشهد السياسي، خصوصًا في ظل عدم وضوح موعد استئناف المفاوضات بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي.

غموض يحيط بجولة المفاوضات المقبلة

وفي خضم التطورات العسكرية، أكد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام أنه لا يوجد حتى الآن موعد محدد لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل، في مؤشر يعكس استمرار حالة الجمود التي تحيط بالمسار التفاوضي بالتزامن مع التصعيد في الجنوب.

وتسعى الحكومة اللبنانية إلى تكثيف اتصالاتها العربية والدولية للضغط باتجاه وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتنفيذ ما جرى التوافق عليه ضمن إطار المفاوضات، بما في ذلك الانسحاب الإسرائيلي وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية في الجنوب.

واشنطن تعيد إدراج حزب الله على قائمة العقوبات

وبالتوازي مع التصعيد الميداني، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات جديدة تستهدف شبكة مرتبطة بتمويل حزب الله، مشيرة إلى صلات الحزب بفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني ودوره في التأثير على القرارات السياسية للحزب.

وشملت الإجراءات الأمريكية 10 أفراد قالت واشنطن إنهم مرتبطون بشبكة تعمل على نقل أموال نقدية إلى حزب الله عبر رحلات جوية تجارية، إلى جانب استهداف شبكات تستخدم شركات صرافة وحسابات مصرفية ووسائل أخرى لنقل الأموال.

ووفقًا للبيانات الأمريكية، ترتبط الشبكة المستهدفة بمسؤول التمويل السابق في فيلق القدس بهنام شهرياري، كما تضم رجل الأعمال التركي يونس ألبير يلماز، الذي تتهمه واشنطن بإدارة شبكة لنقل الأموال إلى حزب الله من خلال شركات صرافة وحسابات مصرفية.

وتشمل العقوبات أيضًا أي كيانات مملوكة بصورة مباشرة أو غير مباشرة للأشخاص المدرجين، فضلًا عن تجميد أصولهم وممتلكاتهم الموجودة داخل الولايات المتحدة أو الواقعة تحت سيطرة أشخاص أمريكيين.

واشنطن: إيران تستخدم حزب الله لنشر الفوضى

وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن إيران استخدمت حزب الله على مدى عقود في ما وصفته بنشر الإرهاب في المنطقة، مؤكدة أن واشنطن ستواصل استهداف شبكات التمويل المرتبطة بإيران والتي تدعم الحزب.

وفي السياق نفسه، قال مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون الأفريقية والعربية، إن إيران تستخدم حزب الله لـ«بث الفوضى» في أنحاء الشرق الأوسط، وتقويض سيادة لبنان وتهديد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

وأشارت واشنطن إلى أن شبكات تمويل حزب الله تعتمد على وسائل متعددة، من بينها تهريب النفط، والشحن غير المشروع، وبيع السلع، ونقل الأموال نقدًا عبر قنوات سرية.

وتضيف العقوبات الأمريكية بُعدًا جديدًا إلى المشهد اللبناني، في وقت تتداخل فيه التطورات العسكرية في الجنوب مع الضغوط السياسية والاقتصادية التي تستهدف مصادر تمويل حزب الله.

لبنان يتحرك عربيًا ودوليًا لدعم الجيش

في المقابل، تواصل الحكومة اللبنانية تحركاتها على المستويين العربي والدولي بهدف تعزيز قدرات الجيش اللبناني، باعتباره أحد أبرز ركائز الدولة في مواجهة تداعيات التصعيد في الجنوب.

وخلال زيارته إلى مدينة صور، أكد رئيس الوزراء نواف سلام أن حكومته ستواصل حشد كل أشكال الدعم العربي والدولي الممكنة لتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وتطوير موارده البشرية، وتحديث تجهيزاته، وتحسين الأوضاع المعيشية والاجتماعية لعسكرييه.

وشدد سلام على أن الحكومة متمسكة بالعمل كحكومة متضامنة وفقًا لما يقتضيه الدستور، مؤكدًا أن استعادة السيادة اللبنانية ترتبط ببناء دولة قادرة ومؤسسات قوية، وفي مقدمتها الجيش.

وقال سلام مخاطبًا العسكريين إنهم يواجهون تحديات وأعباء كبيرة في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، مشددًا على أن «استعادة السيادة لا تكون إلا ببناء دولة قادرة، ولا تكون الدولة قادرة من دون جيش واحد قوي».

سلام: الجنوب يجب أن يكون تحت سلطة الدولة

وأكد رئيس الحكومة اللبنانية أن الدولة تريد أن يكون الجنوب، كما سائر الأراضي اللبنانية، تحت سلطة الدولة الواحدة، وأن يشعر المواطن بالأمان في ظل وجود جيش قادر على حمايته، بالتوازي مع استعادة مؤسسات الدولة قرار الحرب والسلم.

وأشار إلى أن وجود الجيش اللبناني في الجنوب لا يمثل مجرد انتشار عسكري، وإنما يجسد حضور الدولة واستعادة سيادتها وسلطتها وهيبتها، موضحًا أن كل موقع ينتشر فيه الجيش يمثل مساحة جديدة تستعيد فيها الدولة دورها.

وشدد سلام على أن تعزيز الجيش ليس بندًا ثانويًا أو مسألة تقنية بالنسبة إلى حكومته، وإنما خيار استراتيجي يقع في صميم مشروع استعادة الدولة، مؤكدًا استمرار العمل على حشد الدعم العربي والدولي لتحقيق هذا الهدف.

كما دعا العسكريين إلى الحفاظ على وحدة المؤسسة العسكرية وعدم السماح للخلافات السياسية أو الطائفية بالتسلل إلى صفوفها، مؤكدًا أن الدستور والقانون يجب أن يظلا المرجعية الوحيدة للجيش.

ولفت إلى أن قوة الجيش اللبناني لا تقاس فقط بما يمتلكه من سلاح وعتاد وعديد، وإنما تستند بصورة أساسية إلى وحدته وتماسكه.

الجنوب بين التصعيد والمفاوضات

ويضع التصعيد المتواصل في جنوب لبنان المسار السياسي أمام اختبار جديد، في ظل عدم تحديد موعد لاستئناف المفاوضات، واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية من جهة، والمساعي اللبنانية لحشد دعم دولي من جهة أخرى.

وبينما تعمل بيروت على تعزيز حضور الدولة والجيش في الجنوب والضغط دبلوماسيًا من أجل وقف الاعتداءات وتنفيذ الانسحاب، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في عدد من المناطق الحدودية، في وقت توسع فيه الولايات المتحدة ضغوطها على شبكات تمويل حزب الله.

ومع استمرار هذه التطورات المتزامنة، يبقى مستقبل جولة المفاوضات المقبلة مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف المعنية على احتواء التصعيد الميداني وتهيئة الظروف السياسية والأمنية اللازمة لاستئناف الحوار، فيما يظل جنوب لبنان نقطة الاختبار الأبرز لأي مسار جديد يهدف إلى تثبيت التهدئة وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية.

الكويت تدين رفض إسرائيل خريطة طريق تنفيذ خطة ترامب بشأن غزة

ضغوط اقتصادية أمريكية جديدة على إيران.. خيارات واشنطن تصطدم ب...