جناية صنعت أيقونة العالم… كيف حوّل سارق الموناليزا اللوحة إلى أسطورة عالمية؟
28 شهرًا في صندوق خشبي… القصة الكاملة للسرقة التي جعلت «الموناليزا» أشهر لوحة في العالم
صباح 21 أغسطس 1911: اختفت الموناليزا
في صباح الاثنين 21 أغسطس/آب 1911، اختفت لوحة ليوناردو دا فينشي الشهيرة «الموناليزا» من متحف اللوفر في باريس. كانت اللوحة معلقة آنذاك في الصالون المربع (Salon Carré)، ولم تكن بعدُ بالضرورة صاحبة المكانة الجماهيرية الهائلة التي تتمتع بها اليوم.
كان السارق الإيطالي فينتشينزو بيروجيا عاملًا في مجال الزجاج، وسبق له أن عمل مع الشركة التي كانت تركب الزجاج الواقي للأعمال الفنية في اللوفر. واستغل معرفته بالمتحف وطريقة تثبيت اللوحة ليتمكن من انتزاعها من مكانها والخروج بها.
وبحسب الروايات التاريخية، كان بيروجيا قد اختبأ في المتحف منذ الليلة السابقة مع شركاء، ثم تمكن صباح الاثنين، عندما كان اللوفر مغلقًا أمام الجمهور، من إزالة اللوحة وإخفائها تحت ملابس العمل.
اكتشاف الفراغ… في 22 أغسطس
لم تُكتشف السرقة فورًا. وفي الثلاثاء 22 أغسطس 1911، لاحظ رسام كان موجودًا في اللوفر أن الموناليزا اختفت، ولم يبقَ في مكانها سوى الفراغ الذي خلفته.
في البداية، لم يكن من المستبعد لدى العاملين أن تكون اللوحة قد نُقلت مؤقتًا للتصوير أو لأعمال الصيانة. لكن سرعان ما اتضح أن الأمر يتعلق بسرقة حقيقية، وأُغلقت أبواب المتحف وبدأ التحقيق.
وهنا بدأت واحدة من أشهر القضايا الجنائية في تاريخ الفن.
الصحافة تصنع الحدث
ما إن أُعلن اختفاء اللوحة حتى تحولت القضية إلى هوس إعلامي. تصدرت أخبار السرقة الصحف، وانتشرت صور الموناليزا في الملصقات والمنشورات، وأصبح اختفاؤها حديث باريس ثم أوروبا والعالم.
ولم يكن الأمر مجرد تحقيق جنائي؛ فقد تحولت السرقة إلى ظاهرة شعبية. وعندما أعيد فتح اللوفر، اصطف آلاف الأشخاص أمام المكان الذي كانت الموناليزا معلقة فيه، لا لرؤية اللوحة، بل لرؤية الجدار الفارغ الذي تركته وراءها. ومن أشهر من زار المكان الكاتب فرانز كافكا، الذي كان في باريس آنذاك برفقة ماكس برود.
ظهرت كذلك بطاقات ورسوم ساخرة وأغانٍ وعروض مسرحية مستوحاة من السرقة، فأصبحت قصة الموناليزا جزءًا من الثقافة الشعبية، وليس فقط من عالم المتاحف.
أبرياء في دائرة الاتهام
ومع عجز الشرطة عن العثور على اللوحة، اتسعت دائرة الاشتباه بصورة لافتة.
كان الشاعر غيوم أبولينير من بين من خضعوا للتحقيق والاحتجاز، كما جرى استجواب الفنان الشاب بابلو بيكاسو بسبب صلتهما بشخص كان قد سرق قطعًا أثرية من اللوفر.
لكن الرجلين لم يكونا سارقَي الموناليزا، وأُطلق سراحهما. وفي هذه الأثناء، كان بيروجيا نفسه قد خضع للاستجواب ضمن التحقيقات المتعلقة بموظفي اللوفر، لكنه لم يصبح المشتبه الرئيسي.
الموناليزا كانت أقرب مما تخيلت الشرطة
المفارقة الكبرى أن الشرطة كانت تبحث في أماكن كثيرة، بينما كانت اللوحة طوال الوقت تقريبًا داخل باريس.
بعد السرقة، أخفى بيروجيا الموناليزا في مكان إقامته، داخل صندوق خشبي ذي قاع مزدوج، وظلت اللوحة مخفية هناك لأكثر من عامين. وقد استجوبته الشرطة في وقت مبكر، لكنه لم يُكشف باعتباره السارق.
وهكذا بقيت واحدة من أشهر لوحات العالم مختبئة في غرفة متواضعة، بينما كانت الصحف والشرطة تبحث عنها في أنحاء أوروبا.
لماذا سرقها بيروجيا؟
كان بيروجيا إيطاليًا، وقد ادعى لاحقًا أن دافعه كان وطنيًا؛ إذ كان يعتقد أن نابليون سرق الموناليزا من إيطاليا، وأن من واجبه إعادتها إلى وطنها.
لكن هذا الاعتقاد كان خاطئًا تاريخيًا. فقد انتقلت الموناليزا إلى فرنسا مع ليوناردو نفسه في القرن السادس عشر، ثم أصبحت جزءًا من المجموعات الملكية الفرنسية، ولم تكن من الأعمال التي سرقها نابليون من إيطاليا كما اعتقد بيروجيا.
كما أن محاولة بيروجيا بيع اللوحة لاحقًا جعلت دوافعه موضع شك؛ فلم يكن الأمر مجرد «عملية إعادة وطنية» خالصة، بل كان المال حاضرًا بوضوح في النهاية.
رسالة غامضة إلى تاجر في فلورنسا
و في أواخر عام 1913، قرر بيروجيا نقل اللوحة إلى إيطاليا. واستخدم اسمًا مستعارًا هو «ليوناردو»، ثم تواصل مع تاجر التحف الفلورنسي ألفريدو جيري (Alfredo Geri).
عرض عليه الموناليزا مقابل 500 ألف ليرة إيطالية، مدعيًا أنه يريد أن يساعد في إعادة اللوحة إلى إيطاليا.
أدرك جيري أن الأمر غير عادي، وتواصل مع جيوفاني بوتشي، مدير معرض أوفيزي. وبعد فحص اللوحة والتأكد من هويتها، أُبلغت السلطات، وفي 11 ديسمبر/كانون الأول 1913 أُلقي القبض على بيروجيا في فلورنسا.
اللوحة تعود إلى إيطاليا… ثم إلى فرنسا
بعد استعادة الموناليزا، لم تُرسل مباشرة إلى باريس. عُرضت لفترة وجيزة في إيطاليا، ولا سيما في فلورنسا وروما، وسط اهتمام جماهيري هائل.
ثم عادت اللوحة إلى فرنسا، ووصلت إلى اللوفر في 4 يناير/كانون الثاني 1914. وكان استقبالها مختلفًا تمامًا عن استقبالها قبل السرقة؛ فقد أصبحت الآن نجمة عالمية يعرفها الملايين.
محاكمة السارق
حُوكم بيروجيا في إيطاليا، وتمسك إلى حد كبير بالرواية الوطنية، مؤكدًا أنه أراد إعادة العمل إلى وطنه.
صدر بحقه حكم بالسجن سنة و15 يومًا، لكنه لم يقضِ المدة كاملة؛ إذ أُطلق سراحه بعد نحو سبعة أشهر إثر الاستئناف. ولذلك فإن القول إن «القضاء حكم عليه بالسجن سبعة أشهر» غير دقيق؛ السبعة أشهر تقريبًا هي المدة التي قضاها فعليًا في السجن.
هل سرقة الموناليزا هي التي صنعت شهرتها؟
هنا تكمن الحقيقة الأكثر إثارة.
الموناليزا لم تكن لوحة مجهولة قبل عام 1911. كان لها تاريخ طويل من التقدير الفني، وكان اسم ليوناردو دا فينشي ومهارته الفنية معروفين منذ قرون. ويشير متحف اللوفر نفسه إلى أن شهرتها كانت قد تشكلت قبل السرقة بفترة طويلة، وأن الكتاب والكتّاب في القرن التاسع عشر ساهموا في بناء صورتها الغامضة.
لكن السرقة فعلت شيئًا مختلفًا: نقلت شهرتها من عالم الفن إلى الثقافة الجماهيرية العالمية.
فالصحف جعلت وجه المرأة ذات الابتسامة الغامضة حاضرًا في كل مكان، والبحث عنها حوّلها إلى قصة يتابعها الجمهور، ووقوف الناس أمام الجدار الفارغ جعل غيابها نفسه حدثًا جماهيريًا.
وعندما عادت إلى اللوفر، لم تعد مجرد تحفة فنية؛ أصبحت شخصية ثقافية عالمية.
من لوحة مشهورة إلى أيقونة عالمية
يؤكد متحف اللوفر أن سرقة بيروجيا عام 1911 منحت الموناليزا شهرة عالمية وجعلتها أكثر شعبية، وأن استعادتها عام 1913 ساهمت في ترسيخ مكانتها بوصفها أشهر أعمال المتحف وأكثر اللوحات شهرة في العالم. ولهذا فإن وصف السرقة بأنها «أعظم حملة تسويق في التاريخ» يصلح كتعبير صحفي مجازي، وليس كحقيقة تاريخية مثبتة أو كحملة تسويق فعلية.
فبيروجيا لم يكن مسوّقًا، ولم يخطط لتحويل الموناليزا إلى رمز عالمي. لكنه، من دون أن يقصد، ارتكب جريمة أدت إلى واحدة من أكبر موجات الدعاية الإعلامية التي عرفها عمل فني في العصر الحديث.
المفارقة الأخيرة
دخلت الموناليزا إلى تاريخ الفن قبل بيروجيا بقرون، لكنها خرجت من السرقة بشهرة من نوع آخر.
قبل أغسطس 1911، كان الجمهور يعرف لوحة ليوناردو دا فينشي.
بعد أغسطس 1911، أصبح العالم يعرف قصة الموناليزا.
وهذه هي المفارقة التي جعلت السرقة نقطة تحول حقيقية في تاريخ اللوحة: لم يصنع بيروجيا الموناليزا، ولم يخترع شهرتها من الصفر، لكنه ساعد ــ بصورة غير مقصودة تمامًا ــ على تحويلها من تحفة فنية شهيرة إلى أيقونة جماهيرية عالمية.
