في غضون أيام قليلة من بعضها البعض، شهد المشهد الاقتصادي والدبلوماسي المصري محطتين بدتا في ظاهرهما منفصلتين تمامًا: افتتاح سد ومحطة "جوليوس نيريري" الكهرومائية في قلب تنزانيا بأيدٍ وخبرات مصرية خالصة، وإصدار قرار حكومي بإنشاء منطقة حرة خاصة لشركة "الفجيرة العلمين للنفط والغاز" على ساحل البحر المتوسط، في شراكة مع الإمارات. وبين مشروع يُصدّر الخبرة الهندسية المصرية إلى قلب أفريقيا، وآخر يستقطب رأس المال والخبرة الخليجية إلى الداخل المصري، يطرح كثيرون سؤالًا لا يبدو أن إجابته باتت جاهزة بعد: هل تتحرك مصر بالفعل وفق استراتيجية ممنهجة لتحويل شراكاتها الاقتصادية إلى أداة نفوذ تتجاوز حدودها الجغرافية، أم أن الأمر لا يعدو كونه تراكمًا لمشروعات منفردة تتقاطع زمنيًا دون أن تجمعها رؤية واحدة؟

من القاهرة إلى دودوما.. حين تصدّر مصر الخبرة بدل استيرادها

شارك رئيس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، نيابة عن الرئيس عبد الفتاح السيسي، في افتتاح مشروع سد ومحطة "جوليوس نيريري" الكهرومائية في تنزانيا، الذي نفّذه التحالف المصري الذي ضم شركتي المقاولون العرب والسويدي إليكتريك، والذي يوفر نحو 2115 ميجاوات من الطاقة الكهربائية لدولة حوض النيل.

ولم يفت رئيس الوزراء أن يصف المشروع بأنه شهادة نجاح للخبرات المصرية في تنفيذ المشروعات العالمية العملاقة، وأنه يقارب السد العالي المصري في إجمالي الطاقة المنتجة، معتبرًا أن نجاحه يدحض ما كان يُثار سابقًا من مزاعم حول معارضة مصر لتنمية دول حوض النيل، مؤكدًا في الوقت ذاته أن ملف مياه النيل يظل قضية وجودية بالنسبة للدولة المصرية لا تتعارض مع دعمها لتنمية دول المنبع.

الأهمية هنا لا تكمن فقط في حجم المشروع، بل في الرسالة التي يحملها: أن الشركات المصرية لم تعد تكتفي بتنفيذ مشروعات داخل السوق المحلية، بل باتت قادرة على المنافسة في مشروعات كبرى بمستوى إقليمي ودولي، وهو ما يفتح الباب أمام الحصول على عقود جديدة في الطاقة والمياه والإسكان والنقل داخل القارة الأفريقية، بما يضاعف عائد تصدير الخدمات الهندسية والمقاولات المصرية، بحسب ما ذهب إليه عضو مجلس الشيوخ عمرو رشاد.

من أبوظبي إلى الساحل الشمالي.. حين تستقطب مصر الاستثمار بدل تصديره

في المقابل، وفي اتجاه معاكس تمامًا، وافق مجلس الوزراء المصري على إنشاء منطقة حرة خاصة لشركة "الفجيرة العلمين للنفط والغاز"، بموجب القرار رقم 65 لسنة 2026، على مساحة تقارب 738 ألف متر مربع في مدينة العلمين الجديدة بمحافظة مطروح، في خطوة تمهد لإقامة مركز إقليمي لتخزين وتداول الخام والمنتجات البترولية على ساحل البحر المتوسط، ضمن شراكة مصرية إماراتية جديدة.

ويقع الموقع على مقربة مباشرة من منطقة توسعات ميناء الحمراء الذي تسعى الحكومة المصرية إلى تطويره ليصبح مركزًا لوجستيًا إقليميًا لتخزين وتداول النفط، في وقت سبق فيه لوزارة البترول أن أعلنت عن استحداث نشاط مماثل لحساب الغير عبر شركة بترول الصحراء الغربية "ويبكو" بهدف زيادة إيرادات القطاع والاستفادة من الطاقات التخزينية المتاحة بالميناء.

وتحظى إمارة الفجيرة، الشريك الإماراتي في المشروع، بمكانة عالمية في مجال تخزين وتداول النفط، وهو ما يمنح المشروع الجديد أهمية إضافية عبر نقل الخبرات الإماراتية المتراكمة في هذا المجال وتوظيفها لتعزيز البنية التحتية البترولية المصرية، فضلًا عن اتفاق تجاري موازٍ لتوريد المنتجات البترولية لصالح الهيئة المصرية العامة للبترول، في إطار ما وُصف بتوسيع الشراكات الدولية لمصر في قطاع الطاقة.

أصداء حزبية وبرلمانية.. من دودوما إلى العلمين

المشروعان معًا لم يمرّا دون أن تلتقطهما الأحزاب السياسية باعتبارهما مؤشرًا على تعاظم الحضور الاقتصادي المصري خارج الحدود. فقد اعتبر حزب المصريين، على لسان أحد قياداته، أن تأسيس شركة "الفجيرة العلمين للنفط والغاز" يمثل ترجمة عملية لعمق الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وأبوظبي، وأن المشروع لا يقتصر على بعده الاستثماري المباشر في قطاع البترول، بل يحمل دلالة سياسية واقتصادية تعكس نجاح الدولة في تحويل منطقة العلمين الجديدة من وجهة سياحية موسمية إلى مركز اقتصادي ولوجستي وصناعي يعمل على مدار العام.

من جانبه، رأى نائب رئيس حزب إرادة جيل، إبراهيم ضيف، أن تأسيس الشركة يمثل دفعة قوية جديدة لمسار الاستثمار المشترك بين مصر والإمارات، ويعكس مستوى الثقة الإماراتية في الاقتصاد المصري في هذه المرحلة.

وعلى الضفة الأخرى من القارة، وصف عضو مجلس الشيوخ عمرو رشاد مشاركة مصر في افتتاح "جوليوس نيريري" بأنها رسالة دعم للتنمية في أفريقيا وشهادة نجاح للخبرات المصرية، مشددًا على أن قدرة الشركات الوطنية على تنفيذ مشروع بهذا الحجم تمثل إضافة حقيقية للاقتصاد الوطني عبر تسويق الخبرة الهندسية المصرية في القارة وفتح الباب أمام عقود جديدة.

بين تصدير الخبرة واستقطاب الاستثمار.. هل هناك خيط ناظم؟

يجمع بين المشروعين، رغم اختلاف اتجاهيهما، أنهما يقعان في صميم ما تروّج له الحكومة المصرية بوصفه "القوة الناعمة" الاقتصادية للدولة: ففي تنزانيا، تصدّر مصر خبرتها الهندسية ورأس مالها البشري إلى مشروع يقارب حجم السد العالي، وفي العلمين، تستقطب رأس المال والخبرة الخليجية لتحويل موقع جغرافي متوسطي إلى مركز إقليمي لتجارة الطاقة. وبين الاتجاهين، تحاول الدولة المصرية، بحسب ما يظهر من تصريحات مسؤوليها ونواب الأحزاب على حد سواء، أن تقدّم نفسها كطرف فاعل في شبكتين متوازيتين من العلاقات الاقتصادية: واحدة تتجه جنوبًا نحو أفريقيا عبر تصدير الخدمات الهندسية والمقاولاتية، وأخرى تتجه شرقًا نحو الخليج عبر استقطاب استثمارات الطاقة والبنية التحتية.

لكن يبقى السؤال معلقًا: هل تُترجم هذه المشروعات المتفرقة، مهما بلغ حجمها ورمزيتها، إلى استراتيجية اقتصادية متكاملة وقابلة للقياس على المدى الطويل، تُحدث فارقًا فعليًا في ميزان مصر التجاري وموقعها كمركز إقليمي للطاقة والخدمات الهندسية؟ أم أنها تظل، في نهاية المطاف، محطات دبلوماسية واستثمارية لافتة، تُستدعى في المناسبات وتتصدر التصريحات الرسمية والحزبية، دون أن تتحول بالضرورة إلى نمط ثابت من "الشراكات العابرة للحدود" يعيد رسم مكانة مصر الاقتصادية في محيطيها الأفريقي والخليجي معًا؟