تشهد العلاقات المصرية السورية خلال الفترة الأخيرة تحركًا متزايدًا على المستويين السياسي والاقتصادي، بالتوازي مع اتصالات ولقاءات تستهدف فتح مسارات جديدة للتعاون بين القاهرة ودمشق، في ظل احتياجات سوريا لإعادة بناء مؤسساتها وبنيتها التحتية، وما تمتلكه مصر من خبرات وإمكانات في عدد من القطاعات الاقتصادية والإنتاجية.
ويأتي اجتماع مجلس الأعمال المصري السوري في هذا السياق باعتباره أحد أبرز المؤشرات على تنامي الاهتمام بالمسار الاقتصادي، خاصة مع بحث فرص الاستثمار والتجارة وإعادة الإعمار، إلى جانب قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والصناعة.
مجلس الأعمال المصري السوري.. خطوة على طريق الشراكة الاقتصادية
وفي هذا الإطار، قال أحمد العناني، الباحث في الشؤون الدولية، إن الاجتماع الثاني لمجلس الأعمال المصري السوري يأتي في توقيت مهم، بالتزامن مع بداية مرحلة جديدة من التعاون بين القاهرة ودمشق، موضحًا أن مصر تنظر إلى سوريا من منطلق علاقة تشاركية على المستوى الاقتصادي، في إطار رؤية مصرية لسوريا جديدة، موحدة ومستقرة سياسيًا وقادرة على استعادة مسارها الاقتصادي.
وأضاف العناني، في تصريح خاص لـ«خمسة سياسة»، أن هذا التوجه يتزامن مع حرص الجانب السوري على الاستفادة من الخبرات المصرية في عدد كبير من المجالات، وفي مقدمتها الاستثمار والتجارة والتكنولوجيا، مؤكدًا أن تعزيز التعاون بين البلدين يمكن أن يشكل مدخلًا مهمًا لبناء علاقات اقتصادية أكثر اتساعًا خلال المرحلة المقبلة.
ومن جانبه، أوضح الباحث أن الاجتماع الثاني لمجلس الأعمال يأتي استكمالًا لمخرجات الاجتماع الأول الذي عقد في القاهرة، مشيرًا إلى أن انعقاد الاجتماع في دمشق يمثل مكسبًا للطرفين، في ظل الاحتياجات السورية المتزايدة لإعادة بناء البنية التحتية، بالتوازي مع امتلاك مصر خبرات واسعة في مجالات التشييد والبناء وتطوير البنية الأساسية.
إعادة الإعمار تفتح مجالات واسعة أمام الشركات المصرية
وفي هذا السياق، أشار العناني إلى أن التعاون المصري السوري لا يقتصر على قطاع التشييد والبناء، وإنما يمتد كذلك إلى مجالات الطاقة والقطاعات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية، وهو ما يمكن أن يسهم في توسيع قاعدة المصالح المشتركة وتعزيز العلاقات الاقتصادية بين القاهرة ودمشق.
وتابع أن سوريا تحتاج خلال المرحلة المقبلة إلى إعادة بناء العديد من مكونات بنيتها التحتية، بعد ما تعرضت له من أضرار نتيجة الصراعات والحروب، في حين تمتلك مصر خبرات وإمكانات يمكن الاستفادة منها في عدد من هذه المجالات، بما يتيح فرصًا للتعاون والاستثمار والتبادل التجاري.
وبحسب العناني، فإن اجتماع مجلس الأعمال يمثل خطوة عملية لترجمة الرغبة في تطوير العلاقات إلى مسارات اقتصادية واستثمارية، مؤكدًا أن المصالح المشتركة يمكن أن تشكل أساسًا مهمًا لبناء شراكة تدريجية بين البلدين.
التجارة والاستثمار.. فرص قابلة للتوسع
ولا تتوقف فرص التعاون عند إعادة الإعمار، إذ يمثل التبادل التجاري والاستثمار المشترك أحد المسارات القابلة للتوسع خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع وجود مجالات يمكن أن تستفيد من التكامل بين إمكانات السوق المصرية واحتياجات السوق السورية.
وفي هذا الصدد، أكدت الدكتورة رانيا فوزي، الباحثة في العلوم السياسية والاستراتيجية، أن العلاقات المصرية السورية تشهد، بعد تولي الرئيس السوري أحمد الشرع، حالة من التقارب والتطور المتصاعد، مشيرة في الوقت ذاته إلى وجود قدر من الحذر المصري في ضوء الخلفية الأيديولوجية للرئيس السوري وبعض معاونيه وانتماءاتهم السابقة.
وأوضحت فوزي، في تصريح خاص لـ«خمسة سياسة»، أن مصر تتحرك في إطار مساعٍ تهدف إلى دعم إعادة بناء سوريا لمؤسساتها، ومساعدتها على تجاوز أزمتها الاقتصادية، بالتعاون مع حلفائها في المنطقة، وفي مقدمتهم السعودية وتركيا، بما يدعم استقرار الدولة السورية.
لقاءات السيسي والشرع تعكس تطور مسار التعاون
وفي السياق ذاته، أشارت رانيا فوزي إلى أن الدولة المصرية تواصل تقديم الدعم لسوريا وشعبها، لافتة إلى أن لقاءات الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الرئيس السوري أحمد الشرع تعكس جانبًا من المسار المتطور في العلاقات بين القاهرة ودمشق.
وأضافت أن استضافة القاهرة اجتماع مجلس الأعمال السوري لبحث آفاق التعاون بين البلدين تمثل خطوة مهمة على المستوى الاقتصادي، متوقعة أن يشهد هذا المسار زخمًا متزايدًا خلال الفترة المقبلة، سواء من خلال ارتفاع حجم التبادل التجاري أو زيادة اللقاءات بين المستثمرين المصريين ونظرائهم في سوريا.
وتتسق هذه الرؤية مع أهمية دور القطاع الخاص في المرحلة المقبلة، إذ إن تحويل التفاهمات الحكومية إلى مشروعات فعلية يتطلب مشاركة مباشرة من الشركات والمستثمرين، سواء من خلال التجارة أو إقامة مشروعات مشتركة أو الدخول في مشروعات إعادة الإعمار.
الصناعات الغذائية والنسيجية والطاقة في مقدمة الفرص
وعلى مستوى القطاعات المستهدفة، أكدت فوزي أن مصر تنظر إلى سوريا باعتبارها سوقًا واعدة، خاصة في مجالات الصناعات الغذائية والنسيجية، موضحة أن هناك تطابقًا واضحًا في الوقت الراهن بشأن أهمية دفع العلاقات المصرية السورية إلى الأمام وتعزيز التعاون بما يخدم مصالح البلدين.
ولا تقتصر الفرص على هذه المجالات، إذ يمكن أن تمتد إلى قطاعات المقاولات والطاقة والصناعات الدوائية والغذائية والهندسية، إلى جانب التكنولوجيا والخدمات، بما يوسع قاعدة التعاون الاقتصادي ويمنح القطاع الخاص مساحة أكبر للمشاركة في المرحلة المقبلة.
كما يمثل قطاع الطاقة أحد مسارات التعاون القائمة بين البلدين، وهو ما يوفر قاعدة يمكن البناء عليها لتوسيع التعاون مستقبلًا، سواء في الكهرباء أو مشروعات الطاقة أو تبادل الخبرات الفنية، وفقًا لاحتياجات المرحلة المقبلة.
دمشق تسعى إلى بناء الثقة.. والقاهرة تتابع المسار السياسي
وفي قراءة للمشهد السياسي المصاحب للتحرك الاقتصادي، اعتبر أحمد العناني أن انعقاد الاجتماع في دمشق يحمل دلالة مهمة من جانب الإدارة السورية الجديدة، باعتباره خطوة نحو كسب ثقة القاهرة وفتح علاقة جديدة تقوم على الشراكة الاقتصادية والمصالح المتبادلة.
وفي المقابل، أوضح أن القاهرة تتابع تطورات المشهد السياسي السوري وسلوك الإدارة الجديدة، في ظل حرصها على أن تستوعب المرحلة المقبلة مختلف مكونات المجتمع السوري، بما يساعد على استكمال المرحلة الانتقالية والوصول إلى حالة من الاستقرار السياسي.
ومن جانبها، لفتت رانيا فوزي إلى أن هذا التحرك يرتبط كذلك بالحرص المصري على عدم السماح بأي أنشطة تستهدف زعزعة استقرار الدولة المصرية، مشيرة إلى أهمية التعامل مع مختلف الملفات المرتبطة بأمن واستقرار البلدين.
استقرار سوريا.. بوابة للتنمية والتعاون الاقتصادي
وتتجاوز أهمية الاستقرار السياسي حدود الملف الداخلي السوري، إذ يرتبط بصورة مباشرة بقدرة الاقتصاد السوري على استعادة نشاطه وتهيئة البيئة اللازمة أمام الاستثمارات والمشروعات الجديدة.
وفي هذا الإطار، أكدت رانيا فوزي أن دعم استقرار سوريا وإعادة بناء مؤسساتها وتحسين أوضاعها الاقتصادية يمكن أن يسهم في توفير الظروف المناسبة أمام اللاجئين للعودة الآمنة إلى بلادهم، فضلًا عن فتح المجال أمام مزيد من التعاون الاقتصادي والتجاري.
كما شددت على أن تعزيز العلاقات المصرية السورية، من خلال التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري، من شأنه أن يحقق مصالح مشتركة ويدعم فرص التنمية والازدهار في البلدين.
هل نحن أمام شراكة اقتصادية؟
وتظهر المؤشرات الحالية توسعًا في الأطر المؤسسية للتعاون الاقتصادي بين مصر وسوريا، إلا أن الانتقال من التنسيق إلى شراكة اقتصادية واسعة سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الجانبين على تحويل التفاهمات الحالية إلى مشروعات واتفاقات واستثمارات فعلية.
فقد تم بالفعل عقد اجتماعين حكوميين في 2026، وتشكيل مجلس أعمال مشترك، والاتفاق على منتدى أعمال، إلى جانب وجود تعاون قائم في قطاع الطاقة، فضلًا عن التحركات المرتبطة بزيادة التبادل التجاري وتشجيع المستثمرين على استكشاف الفرص المتاحة.
وبالتالي، فإن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا لقدرة المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص على ترجمة هذه الخطوات إلى تجارة واستثمارات ومشروعات إنتاجية، بما يضع أساسًا أكثر اتساعًا للعلاقات الاقتصادية بين البلدين.
مجلس الأعمال.. من التفاهمات إلى المشروعات
ويظل مجلس الأعمال المصري السوري أحد الأدوات المهمة في هذه المرحلة، باعتباره حلقة وصل بين الجهات الرسمية ومجتمعي الأعمال في البلدين، إذ يمكن أن يسهم في تحديد الفرص الاستثمارية، وتذليل العقبات أمام الشركات، وطرح مشروعات قابلة للتنفيذ.
ومن ثم، فإن أهمية المجلس لا ترتبط فقط بانعقاد الاجتماعات، وإنما بقدرته على متابعة ما يتم الاتفاق عليه وتحويله إلى شراكات بين الشركات، وهو ما يمكن أن يمنح العلاقات الاقتصادية المصرية السورية بعدًا عمليًا ومستدامًا.
الخلاصة.. الاقتصاد أحد جسور المرحلة الجديدة
العلاقات المصرية السورية ليست وليدة التطورات الراهنة؛ فهي تمتد عبر عقود من التاريخ المشترك، مرورًا بتجربة الجمهورية العربية المتحدة عام 1958، وانتهاءً بالتعاون العسكري في حرب أكتوبر 1973، ثم مراحل متعددة من التقارب والاختلاف وفقًا للتحولات الإقليمية والدولية.
أما اليوم، فتظهر أمام القاهرة ودمشق فرصة لبناء فصل جديد من العلاقة، تكون المصالح الاقتصادية والاستثمارية والطاقة وإعادة الإعمار أحد أهم عناوينه.
وبينما ترى تصريحات الخبراء أن هناك مساحة واسعة أمام التعاون في التجارة والاستثمار وإعادة الإعمار والصناعة والطاقة، فإن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطًا بمدى توافر الاستقرار السياسي والبيئة الاستثمارية المناسبة، وقدرة المؤسسات الحكومية ومجالس الأعمال والقطاع الخاص على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
ويبقى التحدي الأساسي في تحويل الإرادة السياسية والتفاهمات الحكومية ومجلس الأعمال المشترك إلى مشروعات حقيقية، بما يجعل الاقتصاد أحد الجسور الرئيسية التي تربط القاهرة ودمشق في المرحلة المقبلة.
