قال الدكتور حامد فارس، أستاذ العلاقات الدولية، إن كلمة مصر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عكست التحركات المصرية في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، وركزت على أهمية الحفاظ على فاعلية النظام متعدد الأطراف، وتعزيز قدرة مؤسسات الأمم المتحدة على التعامل مع الأزمات وخفض التصعيد.
وأضاف فارس، خلال مداخلة عبر شاشة «إكسترا نيوز»، أن القضية الفلسطينية تصدرت جانبًا رئيسيًا من التحرك المصري في اجتماعات الأمم المتحدة، مع التأكيد على ضرورة استكمال ترتيبات المرحلة الثانية، والحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني، ودعم المسار السياسي الذي يفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية.
وتأتي هذه الرسائل بالتزامن مع مشاركة مصر في اجتماع رفيع المستوى حول حل الدولتين على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة، حيث أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن رؤية مصر تقوم على تسوية سياسية تنهي الاحتلال وتفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
القضية الفلسطينية في صدارة التحرك المصري
وأوضح أستاذ العلاقات الدولية أن تزايد حضور القضية الفلسطينية في اجتماعات الجمعية العامة يعكس استمرارها كأحد الملفات الرئيسية على أجندة السياسة الدولية، مشيرًا إلى أن مصر تتحرك سياسيًا وإنسانيًا لدعم الفلسطينيين ورفض تهجيرهم.
وتنسجم هذه الرؤية مع التحرك المصري خلال اجتماعات الجمعية العامة، إذ أكدت القاهرة رفض ضم الأراضي الفلسطينية أو تهجير الشعب الفلسطيني، وربطت تحقيق السلام في المنطقة بالتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تفضي إلى تجسيد الدولة الفلسطينية.
كما شهدت اجتماعات الأمم المتحدة الحالية تركيزًا دوليًا متزايدًا على حل الدولتين؛ إذ أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش أن حل الدولتين هو المسار الموثوق لتحقيق السلام والأمن المستدامين للفلسطينيين والإسرائيليين.
وبحسب فارس، فإن التحركات والاعترافات الدولية المتزايدة بالدولة الفلسطينية تمثل تطورًا في الموقف الدولي من القضية، فيما تستمر القاهرة في الدفع باتجاه تحويل هذا الدعم السياسي إلى مسار يقود إلى تسوية شاملة.
إصلاح مجلس الأمن.. جانب آخر من الرسالة المصرية
ولم تتوقف الرسائل المصرية عند القضية الفلسطينية، إذ وضعت القاهرة إصلاح النظام متعدد الأطراف ومجلس الأمن ضمن أولويات تحركها في نيويورك.
وأشار فارس إلى أن مطالبة مصر بمؤسسات دولية أكثر فاعلية ترتبط بالحاجة إلى مجلس أمن قادر على التعامل مع الأزمات وخفض التصعيد وإيجاد حلول سياسية للقضايا العالقة.
وكان مدبولي قد أكد خلال مشاركته في فعاليات الجمعية العامة أهمية إصلاح مجلس الأمن، موضحًا أن تكوين المجلس لم يعد يعكس الحقائق السياسية الراهنة، وأن هناك حاجة إلى توسيع فئتي العضوية الدائمة وغير الدائمة.
وتعكس هذه النقطة جانبًا أوسع في الرؤية المصرية، يقوم على تعزيز أدوات العمل متعدد الأطراف بدلًا من ترك الأزمات الإقليمية والدولية رهينة للتصعيد أو التحركات المنفردة.
الأمن المائي.. منطق التعاون بدل الصراع
وأشار أستاذ العلاقات الدولية إلى أن الأمن المائي كان حاضرًا كذلك ضمن الملفات التي عكستها الرؤية المصرية، مؤكدًا أن موارد المياه العابرة للحدود يجب أن تكون مجالًا للتعاون بين الدول وليس سببًا للصراع.
وأوضح أن الموقف المصري من قضية سد النهضة الإثيوبي يرتكز على مبدأ عدم إحداث ضرر، إلى جانب ضرورة التوصل إلى اتفاق واضح بشأن قواعد الملء والتشغيل، خصوصًا خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد.
وأكد فارس أن القاهرة لا تعارض حق الدول الإفريقية في التنمية، مستشهدًا بمشاركة مصر في مشروعات تنموية داخل القارة، ومن بينها مشروع سد جوليوس نيريري في تنزانيا.
وفي المقابل، تتمسك مصر بضرورة إدارة الموارد المائية المشتركة وفق قواعد تضمن مصالح الدول المعنية وتمنع اتخاذ إجراءات أحادية يمكن أن تؤثر في حقوق الدول الأخرى.
إفريقيا.. التنمية والدبلوماسية في مسار واحد
وربط فارس بين التحرك المصري في ملف المياه وبين السياسة المصرية تجاه القارة الإفريقية، مؤكدًا أن القاهرة تسعى إلى تعزيز التعاون مع الدول الإفريقية عبر مشروعات التنمية والتحرك السياسي والدبلوماسي.
ويضع هذا الطرح قضية المياه في إطار أوسع من الخلاف حول مشروع بعينه، لتصبح جزءًا من رؤية مصرية تقوم على تعزيز التعاون الإقليمي وربط التنمية بالاستقرار، مع رفض تحويل الموارد المائية إلى أداة للتصعيد أو الضغط السياسي.
3 رسائل رئيسية للتحرك المصري
وبقراءة مجمل المواقف التي طرحتها مصر خلال اجتماعات الجمعية العامة، تظهر ثلاثة مسارات رئيسية في رسالتها الدبلوماسية: دعم تسوية سياسية للقضية الفلسطينية تقوم على حل الدولتين، تعزيز فاعلية النظام متعدد الأطراف وإصلاح مجلس الأمن، والتعامل مع قضايا الأمن المائي من خلال التعاون والاتفاقات الملزمة.
وتتقاطع هذه الملفات في نقطة واحدة تتمثل في تمسك القاهرة بأولوية الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمات، بالتوازي مع الدعوة إلى مؤسسات دولية أكثر قدرة على تنفيذ قواعد القانون الدولي والتعامل مع النزاعات القائمة.
وبذلك لم تقتصر المشاركة المصرية في اجتماعات الجمعية العامة على طرح مواقف منفصلة بشأن أزمات المنطقة، وإنما عكست رؤية تربط بين السلام الإقليمي، وفاعلية النظام الدولي، والتعاون الإفريقي باعتبارها مسارات مترابطة في مواجهة الأزمات الراهنة.
لمشاهدة الفيديو اضغط هنـــــــــــــــــــــــــا
