4.7 مليون أسرة على منظومة الدعم.. والرقم لا يحكي القصة كاملة

على مدار سنوات، تحول «تكافل وكرامة» من مجرد برنامج للدعم النقدي إلى واحدة من أبرز أدوات الحماية الاجتماعية في مصر، لكن الرقم المعلن حاليًا، والمقدر بنحو 4.7 مليون أسرة مستفيدة، لا يعني أن هذه الأسر ظلت جميعها داخل المنظومة منذ إطلاق البرنامج.

فخلف الرقم الحالي قصة أكبر؛ أسر دخلت المنظومة عندما كانت في حاجة إلى الدعم، وأخرى خرجت بعدما تغيرت ظروفها، بينما تنتظر أسر جديدة دورها على قوائم الاستحقاق.

وبحسب البيانات المعلنة، تجاوز إجمالي الأسر التي استفادت من البرنامج منذ إطلاقه 8.2 مليون أسرة، فيما شهدت السنوات الماضية تخارج أعداد من الأسر نتيجة تغير أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية.

السؤال الأصعب: لماذا تخرج الأسرة من «تكافل وكرامة»؟

الخروج من البرنامج، وفقًا لتوضيحات وزارة التضامن الاجتماعي، لا يتم بصورة عشوائية، وإنما يرتبط بمدى استمرار توافر شروط الاستحقاق.

وقد تتغير أوضاع الأسرة نتيجة تحسن دخلها، أو امتلاكها مشروعًا أو مصدر دخل جديدًا، أو تغير محل الإقامة، أو ظهور بيانات جديدة تؤثر في تقييم موقفها داخل منظومة الدعم.

وهنا تظهر فلسفة البرنامج كما تشرحها الوزارة: الدعم ليس هدفًا دائمًا في حد ذاته، وإنما وسيلة لمساعدة الأسرة خلال فترة الاحتياج، وصولًا إلى مرحلة تستطيع فيها الاعتماد على مصدر دخل مستقر.

3 ملايين أسرة خرجت من تكافل وكرامة.. وأسر أخرى دخلت مكانها

القصة لا تتوقف عند خروج أسرة من المنظومة؛ فوجود قوائم انتظار يعني أن مكان الأسرة التي لم تعد مستحقة يمكن أن يفتح الباب أمام أسرة أخرى تستوفي معايير الحصول على الدعم.

وتكشف البيانات الرسمية المنشورة بمناسبة مرور 10 سنوات على البرنامج أن «تكافل وكرامة» بدأ عام 2015 بنحو 1.7 مليون أسرة، ووصل عدد الأسر المستفيدة حاليًا إلى 4.7 مليون، بينما استفادت منه إجمالًا 8.2 مليون أسرة على مدار عشر سنوات، مع تخارج نحو 3 ملايين أسرة خلال عمر البرنامج.

وهكذا يصبح الرقم الأهم ليس فقط «كم أسرة تحصل على الدعم الآن؟»، وإنما أيضًا كم أسرة دخلت المنظومة وخرجت منها، ولماذا؟ وماذا حدث لأوضاعها بعد الخروج؟

من يقرر استمرار الدعم؟.. البيانات تحت المراجعة

لا تعتمد منظومة «تكافل وكرامة» على طلب الأسرة وحده، إذ ترتبط عملية تحديد الاستحقاق بنتائج البحث الاجتماعي ومؤشرات الاستهداف ومعايير الفقر والاستحقاق.

كما تعتمد الوزارة على الربط وتبادل البيانات مع جهات حكومية مختلفة للتحقق من استمرار انطباق شروط الحصول على الدعم.

وتعني هذه الآلية أن موقف الأسرة يمكن أن يتغير مع تغير البيانات الخاصة بها، وهو ما يفسر حركة الدخول والخروج المستمرة من البرنامج.

ولو توقّف الدعم.. هل ينتهي حق الأسرة في الاعتراض؟

وقف الدعم لا يعني بالضرورة انتهاء الأمر بالنسبة للأسرة؛ إذ توجد آليات للتظلم ومراجعة موقف المستفيد.

وفي الحالات التي يجرى فيها اتخاذ إجراء بشأن الدعم، تظل المبالغ محل الإجراء مجمدة وفقًا للقواعد المنظمة إلى حين فحص التظلم والبت في موقف الأسرة، بما يتيح مراجعة البيانات والقرار المتخذ بشأنها.

أما إذا ثبت حصول أسرة على الدعم استنادًا إلى بيانات غير صحيحة، فتتخذ الإجراءات القانونية اللازمة، مع مطالبة المستفيد برد الأموال التي حصل عليها دون استحقاق وفقًا للقواعد المنظمة.

54 مليار جنيه.. فاتورة الدعم النقدي

وتبلغ مخصصات برنامج «تكافل وكرامة» نحو 54 مليار جنيه سنويًا، ضمن الموازنة العامة للدولة، بينما يتم صرف الدعم للمستفيدين من خلال بطاقات «تكافل وكرامة».

لكن الإنفاق لا يتوقف عند التحويل النقدي؛ فالبرنامج يرتبط بحزمة أوسع من الحماية الاجتماعية تشمل خدمات ومزايا في مجالات التعليم والصحة والدعم التمويني وغيرها من الخدمات المقدمة للفئات المستفيدة.

المعادلة الجديدة: لا تكتفِ بإعطاء الأسرة.. ساعدها على الإنتاج

هنا تظهر واحدة من أهم التحولات في فلسفة الحماية الاجتماعية: الانتقال من مجرد تقديم الدعم النقدي إلى محاولة بناء مصدر دخل مستدام للأسرة.

وتستهدف برامج التمكين الاقتصادي مساعدة القادرين على العمل من الأسر المستفيدة في الحصول على فرص عمل أو تنفيذ مشروعات، بحيث يصبح الهدف النهائي هو تقليل الاعتماد على الدعم النقدي كلما تحسنت قدرة الأسرة على تحقيق دخل مستقل.

بمعنى آخر، تصبح الرحلة المفترضة: احتياج → دعم نقدي → تأهيل وتمكين → مصدر دخل → تخارج من الدعم.

لكن السؤال الذي يستحق الإجابة: ماذا يحدث بعد التخارج؟

هذه هي الحلقة الأكثر أهمية في قصة «تكافل وكرامة».

فإذا كانت الأسرة قد خرجت بسبب تحسن وضعها الاقتصادي، فالمؤشر الحقيقي لا يتوقف عند قرار التخارج، وإنما يمتد إلى ما بعده: هل استمر تحسن دخل الأسرة؟ وهل أصبح لديها مصدر دخل مستقر؟ وهل تستطيع مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة دون العودة إلى دائرة الاحتياج؟

وهنا يأتي دور قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للبرنامج، وهو توجه تؤكد عليه الدولة حاليًا بالتوازي مع تعزيز برامج التمكين الاقتصادي.

التحول الرقمي يدخل على الخط

ومع اتساع قاعدة المستفيدين وتغير بيانات الأسر، أصبح التحول الرقمي جزءًا أساسيًا من إدارة منظومة الحماية الاجتماعية.

فالربط بين قواعد البيانات، وتحديث سجلات الأسر، والتحقق من المعلومات، كلها أدوات تستهدف الوصول إلى المستحقين بصورة أكثر دقة، وتقليل احتمالات استمرار الدعم في الحالات التي تغيرت ظروفها.

وتتحدث وزارة التضامن عن تطوير السجلات والمنصات الرقمية وآليات الدفع والشكاوى باعتبارها جزءًا من تحديث منظومة الحماية الاجتماعية.

من «الدعم» إلى «الاستقلال».. الاختبار الحقيقي للمنظومة

في النهاية، لا تختصر قصة «تكافل وكرامة» في رقم 4.7 مليون أسرة، ولا في قيمة مخصصات تصل إلى عشرات المليارات.

القصة الحقيقية هي رحلة الأسرة نفسها: متى دخلت؟ لماذا استحقت؟ ماذا تغير في حياتها؟ متى خرجت؟ وهل كان خروجها نتيجة تحسن حقيقي ومستدام في ظروفها الاقتصادية؟

فكل أسرة تغادر منظومة الدعم تفتح مكانًا لأسرة أخرى تحتاج إلى المساعدة، لكن نجاح منظومة الحماية الاجتماعية لا يقاس فقط بعدد من يحصلون على الدعم، وإنما أيضًا بقدرتها على مساعدة الأسر القادرة على العمل في الانتقال تدريجيًا من الحاجة إلى الإنتاج، ومن المساعدة إلى مصدر الدخل، ومن الدعم المؤقت إلى الاعتماد على الذات.