لم تعد السيارات الصينية مجرد منافس جديد يظهر على هامش سوق السيارات العالمي، بل تحولت خلال سنوات قليلة إلى قوة صناعية وتجارية تفرض نفسها على واحدة من أكثر الأسواق ارتباطًا بتاريخ صناعة السيارات: أوروبا.

هذا التحول كان حاضرًا بقوة في حديث الإعلامي عمرو أديب خلال برنامجه «الحكاية»، بعدما كشف عن مفارقة لافتة في موقفه الشخصي، معلنًا أنه اشترى سيارة كهربائية صينية، رغم أنه كان قد عاهد نفسه سابقًا على عدم اقتناء سيارة كهربائية أو صينية.

وقال أديب: «كنت معاهد نفسي ما أركبش عربية كهربا ولا عربية صيني.. لحد امبارح اشتريت عربية كهربا وصيني»، في إشارة إلى أن التطور الذي وصلت إليه الصناعة الصينية أصبح من الصعب تجاهله.

عمرو أديب: السيارات الصينية لم تعد مجرد «عربية رخيصة»

جوهر ملاحظات عمرو أديب لم يكن في سعر السيارة الصينية فقط، وإنما في التحول الكبير الذي طرأ على مفهوم المنتج نفسه.

فالصناعة الصينية لم تعد تنافس السيارات الأوروبية من بوابة السعر فقط، وإنما تحاول تقديم حزمة متكاملة تجمع بين التكنولوجيا، والبطاريات، والأداء، والبرمجيات، والتجهيزات الفاخرة، مع الحفاظ في كثير من الحالات على سعر أكثر تنافسية.

وقال أديب إن الشركات الصينية استطاعت أن تقدم بطاريات بتكلفة منخفضة وسيارات ومواد تصنيع بأسعار أقل، معتبرًا أن هذه المعادلة جعلت المنافس الصيني قادرًا على سحب جزء من السوق من الشركات التقليدية.

وهنا تكمن أهمية التجربة الصينية: المنافسة لم تعد على تصميم السيارة أو قوة المحرك فقط، وإنما على تكلفة التكنولوجيا نفسها.

«فيه عربيات صيني فيها مايكروويف».. عندما تحولت السيارة إلى منزل صغير

ومن أكثر النقاط التي أثارت السخرية في حديث أديب، حديثه عن التجهيزات غير التقليدية في بعض السيارات الصينية.

وقال ساخرًا إن هناك سيارات صينية تحتوي على «مايكروويف» إلى جانب الثلاجة، مضيفًا: «ناقص الغسالة عشان لو عاوز تغسل غيارين»، في تعليق يعكس حجم التجهيزات التي باتت بعض الشركات الصينية تقدمها داخل سياراتها.

وتحدث كذلك عن أن بعض السيارات أصبحت أشبه بمساحة ترفيهية متكاملة، مع مقاعد يمكن تسخينها وتبريدها وعدد كبير من السماعات والتجهيزات الإلكترونية.

وبعيدًا عن الجانب الساخر في التصريحات، فإن هذه التجهيزات تكشف عن استراتيجية صينية واضحة: جذب المستهلك بالتكنولوجيا والرفاهية وليس بالسعر فقط.

عمرو أديب: «الصينيين بهدلوا الدنيا».. وأوروبا تدفع ثمن المنافسة

التغير في نظرة المستهلك إلى السيارة الصينية يتزامن مع أرقام تكشف اتساع نفوذ هذه السيارات في أوروبا.

فبحسب بيانات رابطة مصنعي السيارات الأوروبية، ارتفعت حصة السيارات المصنّعة في الصين من مبيعات السيارات داخل الاتحاد الأوروبي إلى 7% خلال عام 2025، بينما وصلت حصتها إلى 20% من مبيعات السيارات الكهربائية العاملة بالبطارية في السوق الأوروبية. كما استورد الاتحاد الأوروبي أكثر من مليون سيارة مصنّعة في الصين خلال العام نفسه.

أما على مستوى العلامات الصينية نفسها، فقد أظهرت بيانات JATO Dynamics أن حصتها من سوق السيارات الأوروبية وصلت إلى 5.1% خلال النصف الأول من 2025، مقابل 2.7% في الفترة نفسها من 2024، بعدما ارتفعت مبيعاتها بنسبة 91% إلى نحو 347 ألف سيارة.

واللافت أن هذه القفزة حدثت في وقت لم يكن فيه سوق السيارات الأوروبي نفسه يعيش أفضل فتراته.

بمعنى آخر: السوق ينكمش، بينما المنافس الصيني يكبر.

وهذه واحدة من أكثر النقاط إزعاجًا للمصنعين التقليديين.

السيارات الصينية تزاحم «مرسيدس».. والقلق الأوروبي لم يعد افتراضيًا

تكشف بيانات JATO عن تحول أكثر إثارة؛ إذ اقتربت العلامات الصينية في النصف الأول من 2025 من حصة مرسيدس في السوق الأوروبية، بعدما بلغت حصة الأخيرة نحو 5.2% مقابل 5.1% للعلامات الصينية مجتمعة، بينما جاءت فورد عند 3.8%.

وفي يونيو 2025، تجاوزت حصة العلامات الصينية 5% في السوق الأوروبية، في الوقت الذي تراجعت فيه تسجيلات السيارات الأوروبية بنسبة 4.4% على أساس سنوي.

هذه الأرقام تفسر لماذا لم تعد بروكسل تنظر إلى السيارات الصينية باعتبارها مجرد منتجات مستوردة رخيصة، وإنما باعتبارها تحديًا صناعيًا وتجاريًا طويل الأمد.

«الصين عملت اختراع ومادتوش لأوروبا».. البطارية هي كلمة السر

الجزء الأكثر أهمية في القصة ربما لا يتعلق بالمايكروويف ولا بعدد الأحصنة، وإنما بما وراء السيارة نفسها: البطارية وسلسلة الإمداد والتكلفة.

الصين بنت خلال السنوات الماضية قاعدة صناعية ضخمة في البطاريات والمكونات الرئيسية للسيارات الكهربائية، وهو ما منح شركاتها ميزة كبيرة في تطوير السيارات الكهربائية بأسعار تنافسية.

ولهذا فإن المنافسة الأوروبية مع الصين لا تدور فقط حول السيارات المكتملة، وإنما حول سؤال أكبر: من يمتلك التكنولوجيا والمكونات التي ستحدد شكل صناعة السيارات خلال العقد المقبل؟

وهنا يمكن فهم جانب من مخاوف أوروبا؛ فبحسب بيانات ACEA، تمثل السيارات المصنّعة في الصين بالفعل 7% من إجمالي مبيعات السيارات في الاتحاد الأوروبي، وترتفع النسبة إلى 20% داخل سوق السيارات الكهربائية العاملة بالبطارية.

أوروبا ترد بالجمارك.. لكن «الحائط» لم يوقف الزحف الصيني

لم تقف أوروبا مكتوفة الأيدي أمام هذا الصعود.

فالاتحاد الأوروبي فرض رسومًا تعويضية نهائية على السيارات الكهربائية المصنّعة في الصين لمدة خمس سنوات، وتتراوح وفق الشركة بين 17% على BYD، و18.8% على Geely، و35.3% على SAIC، بينما تخضع الشركات الصينية الأخرى المتعاونة لمعدل 20.7%، والشركات غير المتعاونة لمعدل 35.3%.

الرسالة الأوروبية واضحة: حماية الصناعة المحلية من المنافسة التي تعتبرها بروكسل مدعومة بصورة غير عادلة من الإعانات الصينية.

لكن المفارقة أن الرسوم لم تمنع الشركات الصينية من مواصلة التوسع.

بل إن نموها في أوروبا استمر، مستفيدة من السيارات الهجينة والكهربائية والتسعير والتكنولوجيا والتوسع في شبكات التوزيع.

«الصينيين بهدلوا الدنيا».. لماذا تخشى أوروبا السيارات الصينية؟

المشكلة بالنسبة لأوروبا لا تتوقف عند بيع عدد أكبر من السيارات الصينية.

صناعة السيارات الأوروبية واحدة من أهم أعمدة الاقتصاد الأوروبي، وترتبط بها ملايين الوظائف وسلاسل توريد ضخمة تمتد من المصانع إلى شركات المكونات والبطاريات والخدمات اللوجستية.

وكلما ارتفعت حصة السيارات الصينية، زاد الضغط على الشركات الأوروبية للحفاظ على الأسعار والهوامش والاستثمار في السيارات الكهربائية.

وفي الوقت نفسه، تواجه الشركات الأوروبية مشكلة مزدوجة: المنافس الصيني يقترب منها في عقر دارها، بينما تواجه هي نفسها منافسة قوية من الشركات الصينية داخل السوق الصينية.

وتشير بيانات ACEA إلى أن مبيعات السيارات المصنّعة في الاتحاد الأوروبي داخل الصين تراجعت، في وقت توسعت فيه السيارات الصينية في أوروبا.

بورشه مثال صارخ.. لكن القصة أكبر من شركة واحدة

استشهد عمرو أديب بشركة بورشه باعتبارها نموذجًا على حجم الضغط الذي تعرضت له شركات السيارات الأوروبية.

وبالفعل، تكشف النتائج الرسمية لبورشه أن أرباحها التشغيلية هبطت في 2025 إلى 413 مليون يورو مقابل 5.637 مليار يورو في 2024، في تراجع يقارب 93%.

لكن من المهم مهنيًا عدم اختزال الانخفاض كله في السيارات الصينية؛ فبورشه نفسها أشارت إلى صعوبة ظروف السوق الصينية، والمنافسة الشديدة خصوصًا في السيارات الكهربائية، إلى جانب تأثيرات أخرى مثل تكاليف أنشطة البطاريات والتعريفات الأمريكية.

وهنا تصبح الصورة أكثر دقة: السيارات الصينية ليست السبب الوحيد في أزمة الشركات الأوروبية، لكنها أصبحت أحد أهم عناصر الضغط على نموذج أعمالها.

«1000 حصان».. عندما أصبحت القوة نفسها سلاحًا تسويقيًا

لم يتوقف حديث أديب عند التكنولوجيا والتجهيزات، بل سخر أيضًا من القوة الكبيرة لبعض السيارات الصينية، مشيرًا إلى وجود سيارات تصل إلى نحو 1000 حصان.

وقال: «أجمد عربية ركبتها 400 حصان»، قبل أن يعلق على القدرات الهائلة التي لا يحتاجها معظم السائقين في الاستخدام اليومي.

ورغم الطابع الساخر، فإن سباق القوة يعكس اتجاهًا أوسع في الصناعة الصينية: تقديم السيارة كمنتج تكنولوجي متكامل، قادر على منافسة السيارات الرياضية والفاخرة، وليس كخيار اقتصادي فقط.

«بقيت محتاج واسطة عشان تشتري عربية صيني».. المفارقة المصرية

المفارقة التي أشار إليها أديب أن السيارة الصينية، التي كانت في السابق مرتبطة لدى البعض بفكرة «البديل الأرخص»، أصبحت في بعض الأسواق مطلوبة لدرجة الحديث عن قوائم انتظار و«أوفر برايس».

وقال أديب إن المستهلك في مصر أصبح أحيانًا يحتاج إلى «واسطة» للحصول على سيارة صينية أو يضطر لدفع سعر أعلى، متسائلًا عن شكل السوق خلال العام المقبل.

وهذه المفارقة تختصر التحول الذي طرأ على صورة المنتج الصيني: من سلعة تبحث عن ثقة المستهلك إلى سلعة ينافس المستهلكون على الحصول عليها.

من «مش هركب صيني» إلى «اشتريت عربية صيني».. ماذا تغير؟

ربما يكون تصريح عمرو أديب الأهم هو التصريح الذي يبدو في ظاهره شخصيًا: «كنت معاهد نفسي ما أركبش عربية كهربا ولا عربية صيني.. لحد امبارح اشتريت عربية كهربا وصيني».

فالجملة تعكس في حد ذاتها التحول الذي تسعى إليه الصناعة الصينية منذ سنوات.

الصين لم تعد تريد أن تكون مجرد «مصنع العالم» الذي ينتج لصالح العلامات الأجنبية، بل تريد أن تصبح صاحبة العلامة والتكنولوجيا والبطارية والمنصة والبرمجيات والسيارة نفسها.

وقد نجحت بالفعل في نقل المنافسة إلى ملعب أوروبا.

السيارات الصينية في أوروبا.. معركة لن تحسمها الجمارك وحدها

المعركة المقبلة لن تكون بين «سيارة صيني» و«سيارة أوروبي» فقط، وإنما بين نموذجين صناعيين.

نموذج أوروبي يمتلك تاريخًا طويلًا وعلامات تجارية قوية وخبرة هندسية هائلة، لكنه يواجه ارتفاع تكاليف الإنتاج وضغوط التحول الكهربائي.

وفي المقابل، نموذج صيني يعتمد على ضخامة الإنتاج، وسلاسل إمداد محلية، وتطور سريع في البطاريات والبرمجيات، وتسعير شديد التنافسية، واستعداد أكبر لتجربة تقنيات وتجهيزات جديدة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع السيارات الصينية دخول أوروبا؟

لقد دخلتها بالفعل.

السؤال الأصعب هو: إلى أي مدى تستطيع أوروبا الاحتفاظ بصدارتها عندما تصبح التكنولوجيا والسعر والسرعة عوامل حاسمة بقدر التاريخ والاسم؟

وتشير الأرقام الحالية إلى أن المعركة بدأت بالفعل؛ فالسيارات المصنّعة في الصين أصبحت تمثل 7% من مبيعات السيارات في الاتحاد الأوروبي، بينما وصلت حصة العلامات الصينية وحدها إلى 5.1% في النصف الأول من 2025 في 28 سوقًا أوروبية وفق بيانات JATO.

ومن هنا يمكن فهم سخرية عمرو أديب من «المايكروويف» و«الغسالة» و«الألف حصان» باعتبارها أكثر من مجرد تعليق تلفزيوني طريف؛ فهي تعكس دهشة من صناعة استطاعت خلال فترة قصيرة أن تنتقل من محاولة إثبات وجودها إلى إجبار عمالقة أوروبا على إعادة حساباتهم.

والأخطر بالنسبة لأوروبا أن المنافس الصيني لم يعد يطرق الباب.

لقد دخل بالفعل.. وبدأ ينافس على مقعد القيادة.