قبل السادس من أكتوبر 1973، لم يكن التحدي أمام القيادة المصرية هو كيف تبدأ الحرب فقط، وإنما كيف تستعد لها دون أن يعرف العدو أنها ستبدأ، فتحريك القوات، نقل ذخائر، رفع درجة الاستعداد، تجهيز وسائل العبور، وإخلاء المستشفيات لاستقبال الجرحى، كل خطوة من هذه الخطوات كانت قادرة على إرسال إنذار مبكر إلى إسرائيل بأن شيئًا كبيرًا يقترب.
ومن بين أكثر الملفات حساسية كان ملف المستشفيات، فالحرب تعني توقع أعداد من المصابين، وهو ما يفرض وجود مستشفيات وأسرة وأطقم طبية جاهزة منذ اللحظة الأولى، لكن إخلاء مستشفيات كبيرة بشكل مفاجئ قبل بدء القتال كان سيطرح سؤالًا مباشرًا لماذا تستعد مصر لاستقبال هذا العدد من المصابين؟ ومن هنا بدأت واحدة من أشهر حكايات خطة الخداع الاستراتيجي قبل حرب أكتوبر، خدعة التيتانوس.
مستشفى يجب أن يفرغ
كان المطلوب تجهيز عدد من المستشفيات لاستقبال جرحى العمليات العسكرية، لكن السبب الحقيقي لا يمكن إعلانه، بدأت إحدى حلقات الخطة من مستشفى الدمرداش، مع ظهور معلومات عن وجود تلوث بميكروب التيتانوس داخل المستشفى، الأمر الذي يستلزم إخلاء بعض الأقسام وإجراء عمليات تطهير وفحص.
ظاهريًا، المشهد يبدو أزمة صحية، مرضى يتم نقلهم، عنابر يتم إخلاؤها، إجراءات تطهير، وفحوصات للتأكد من عدم انتشار التلوث، لكن النتيجة في النهاية كانت أن المستشفى أصبح أكثر استعدادًا لاستقبال مصابين جدد.
الخدعة لا تتوقف عند الدمرداش
لم يكن تجهيز مستشفى واحدة كافيًا لحرب بهذا الحجم فامتدت إجراءات الفحص والتطهير إلى مستشفيات أخرى، وأصبحت عمليات الإخلاء تتحرك تحت مظلة طبية تبدو طبيعية أمام الجمهور وأي جهة تراقب ما يحدث داخل مصر.
ومع كل مستشفى يتم إخلاؤها، كانت القدرة الطبية المخصصة للحرب تتسع، من دون إعلان حالة طوارئ عسكرية أو اتخاذ خطوة واضحة يمكن تفسيرها باعتبارها استعدادًا للهجوم، حتى الصحافة لعبت دورًا في تكوين الصورة الظاهرة، مع نشر أخبار تتعلق بالتطهير والإجراءات الصحية، لتصبح رواية الأزمة الطبية هي التفسير المتاح لما يحدث.
لماذا كانت المستشفيات خطرة على سر الحرب؟
الاستعداد للحرب لا يظهر فقط في الجبهة، فالاستخبارات تبحث عن مؤشرات صغيرة قد تبدو مدنية في ظاهرها ارتفاع الطلب على الدم، استدعاء أطباء، إخلاء مستشفيات، تجهيز سيارات إسعاف، إلغاء إجازات، أو تحريك معدات بكميات غير معتادة، وعندما تجتمع هذه المؤشرات، يمكن أن تكشف أن دولة ما تستعد لمواجهة عسكرية.
لذلك، كان المطلوب ألا تبدو الإجراءات الطبية كجزء من حرب قادمة، وإنما كاستجابة لمشكلة صحية طارئة، وهنا حققت قصة «التيتانوس» وظيفتها داخل خطة الخداع.
لم تكن الخدعة الوحيدة
إخفاء تجهيز المستشفيات جاء ضمن سلسلة طويلة من الإجراءات التي سبقت حرب أكتوبر، ففي الوقت الذي كانت فيه القوات تقترب من الجبهة، كانت تحركات عديدة تُقدم باعتبارها تدريبات ومناورات عسكرية، وفي الوقت نفسه، جرى الإعلان عن إجراءات توحي بأن الحياة تسير بصورة طبيعية، من بينها إجازات وتسريح بعض الأفراد وفتح باب العمرة للضباط، بالتزامن مع إجراءات أخرى استهدفت إبعاد الانتباه عن توقيت الحرب الحقيقي.
المستشفيات جاهزة.. والعدو لم يحصل على الإنذار
ومع اقتراب السادس من أكتوبر، كانت أجزاء واسعة من الاستعداد العسكري والطبي قد اكتملت، ومستشفيات جاهزة، قوات في مواقعها، معدات العبور في أماكنها، وقرار الحرب لا يزال محاطًا بسرية شديدة، وفي الساعة الثانية ظهر السادس من أكتوبر 1973، بدأت القوات المصرية عبور قناة السويس، ومع وصول أول المصابين، كانت المنظومة الطبية التي جرى تجهيزها مسبقًا قادرة على استقبالهم.
وأصبحت «خدعة التيتانوس» واحدة من التفاصيل التي تكشف كيف لم تقتصر خطة الخداع الاستراتيجي على الجبهة والأسلحة فقط، وإنما امتدت إلى المستشفيات والأطباء والصحف والحياة المدنية نفسها في محاولة لإخفاء أهم معلومة قبل المعركة متى تبدأ الحرب
