أكد الدكتور وليد عتلم، الكاتب والمحلل السياسي والباحث الرئيسي بالمركز الوطني للدراسات، في تصريح خاص لـ«خمسة سياسة»، أن نصر السادس من أكتوبر لا يمثل مجرد ذكرى لانتصار عسكري، وإنما يعد أحد أهم دروس الدولة المصرية في إدارة الصراع وبناء القوة، مشددًا على أن استدعاء روح أكتوبر في ظل الظروف الإقليمية الراهنة أصبح ضرورة لفهم كيفية الحفاظ على الأرض والأمن والمصالح الوطنية وسط إقليم يشهد تحديات متسارعة.

وقال عتلم إن قراءة المفكر الكبير جمال حمدان لنصر أكتوبر تتجاوز حدود المعركة العسكرية، موضحًا أن ما حدث في أكتوبر مثل تحولًا استراتيجيًا أعاد لمصر قدرتها على الفعل، ومن ثم فإن استدعاء روح أكتوبر اليوم يجب أن يقود إلى سؤال أوسع يتعلق بكيفية الحفاظ على النصر وتحويله إلى قوة مستدامة.

وأضاف أن الإجابة المصرية على هذا السؤال ظهرت بصورة واضحة في سيناء، من خلال معادلة «يد تحارب ويد تبني»، موضحًا أن الدولة التي خاضت معركة استعادة الأرض ومواجهة الإرهاب، تخوض اليوم معركة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في تعمير سيناء وتنميتها وربطها بصورة أكبر بالاقتصاد الوطني.

وليد عتلم: 975 مشروعًا في سيناء تعكس تحولًا تنمويًا واسعًا

وأشار عتلم إلى أن الأرقام تكشف حجم التحول الذي شهدته سيناء خلال السنوات الماضية، موضحًا أن الدولة نفذت خلال الفترة من 2014 حتى 2026 نحو 975 مشروعًا بإجمالي تكلفة استثمارية بلغت 638 مليار جنيه، شملت قطاعات التعليم والصحة والزراعة والثروة السمكية والتنمية العمرانية والصناعة والمياه والكهرباء والطرق والاتصالات والبترول والغاز. وتؤكد بيانات حكومية أن المشروعات توزعت بالفعل على محاور تحسين مستوى معيشة أهالي سيناء، وإنشاء مجتمعات جديدة، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار.

وأوضح أن حجم الاستثمارات العامة الموجهة لشمال وجنوب سيناء خلال العامين الماليين 2025/2026 و2026/2027 يبلغ نحو 35 مليار جنيه، منها 25 مليار جنيه لشمال سيناء و10 مليارات لجنوب سيناء، معتبرًا أن استمرار ضخ الاستثمارات يعكس التعامل مع سيناء باعتبارها أولوية استراتيجية وليست مجرد ملف تنموي عابر.

ولفت إلى أن العام المالي 2025/2026 شهد تنفيذ واستكمال عدد من المشروعات في سيناء بإجمالي 21.6 مليار جنيه، إلى جانب مشروع التجلي الأعظم بتكلفة تصل إلى 25 مليار جنيه، فضلًا عن تنفيذ تجمعات تنموية وقرى للصيادين، بما يستهدف توفير مقومات الاستقرار وتحسين جودة الحياة وربط التنمية بالوجود السكاني.

وأكد عتلم أن التنمية في سيناء لم تعد تقتصر على بناء المساكن أو شق الطرق، وإنما تستهدف إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية والعمرانية والاستراتيجية لشبه الجزيرة، من خلال مشروعات تستهدف الزراعة والمياه والإنتاج وتوطين الأنشطة الاقتصادية.

وأشار إلى مشروع ترعة الشيخ جابر لخدمة مساحة تصل إلى 275 ألف فدان، إلى جانب مشروعات معالجة ونقل المياه التي تخدم مساحات زراعية واسعة، فضلًا عن المشروعات الزراعية ومشروعات التوطين والإنتاج، بما يفتح المجال أمام توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي في سيناء.

«يد تحارب ويد تبني».. عتلم: كل مشروع في سيناء مكون من مكونات قوة الدولة

وشدد وليد عتلم على أن البعد اللوجستي يمثل أحد أهم مفاتيح مستقبل التنمية في سيناء، مشيرًا إلى تنفيذ خط قطار التنمية ضمن مسار الفردان–شرق بورسعيد–بئر العبد–ميناء العريش–طابا، بطول يقارب 500 كيلومتر، بما يساهم في ربط مناطق الإنتاج بالموانئ وتعزيز اتصال سيناء بحركة الاقتصاد والتجارة المصرية.

وأكد أن هذا المسار يجسد المعنى الحقيقي لعبارة «يد تحارب ويد تبني»، موضحًا أن الطريق الذي يتم شقه في سيناء ليس مجرد طريق، والمصنع الذي يتم إنشاؤه ليس مجرد مشروع اقتصادي، والتجمع العمراني ليس مجرد وحدات سكنية، وإنما تمثل هذه المشروعات في مجموعها مكونات للقوة الشاملة للدولة.

وقال عتلم: «كل طريق في سيناء هو خط دفاع، وكل مصنع هو إضافة إلى قوة الاقتصاد، وكل تجمع عمراني هو تثبيت للوجود المصري، وكل فرصة عمل هي استثمار في استقرار الأرض والإنسان».

وأوضح أن التنمية ترتبط بصورة مباشرة بالأمن والاستقرار، خاصة في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، مؤكدًا أن إقامة مجتمعات متكاملة وتوفير فرص العمل وتعزيز النشاط الإنتاجي يساهم في بناء ارتباط اقتصادي واجتماعي أكثر قوة بين سيناء وباقي مناطق الدولة.

وأضاف أن الهدف من مشروعات التنمية لا يتوقف عند تنفيذ البنية الأساسية، وإنما يمتد إلى خلق بيئة قادرة على جذب الاستثمار وتحفيز الإنتاج وربط سيناء بالاقتصاد الوطني، بما يحول المنطقة إلى مساحة أكثر قدرة على المشاركة في النشاط الاقتصادي.

وليد عتلم لـ«خمسة سياسة»: تنمية سيناء هي استكمال لنصر أكتوبر

وأكد عتلم أن معركة تنمية سيناء يمكن النظر إليها باعتبارها «نصر أكتوبر الجديد»، ليس باعتبارها بديلًا عن النصر العسكري، وإنما باعتبارها استكمالًا له، موضحًا أن الجيش المصري عبر قناة السويس في أكتوبر لتحرير الأرض، بينما تعبر الدولة المصرية اليوم بسيناء إلى مرحلة جديدة تجعلها أرضًا منتجة وعامرة ومتصلة بصورة أكبر بالاقتصاد الوطني.

وأشار إلى أن أهمية هذا المسار تتضاعف في ظل البيئة الإقليمية الحالية، التي تشهد تحديات متلاحقة، موضحًا أن الصراعات الحديثة لا تستهدف الحدود فقط، وإنما يمكن أن تمتد إلى قدرة الدول على الصمود من الداخل، وهو ما يجعل التنمية الاقتصادية والاجتماعية جزءًا من منظومة القوة الشاملة.

وأكد أن الدولة القوية، وفق رؤيته، هي التي تحمي حدودها بالقوة العسكرية، وتحمي مجتمعها بالتنمية، وتحمي مستقبلها ببناء اقتصاد قادر على مواجهة الأزمات والتعامل مع المتغيرات.

ولفت إلى أن ربط سيناء بالموانئ وشبكات النقل والإنتاج، إلى جانب التوسع في الزراعة والصناعة والخدمات، يفتح المجال أمام تعزيز دورها في الاقتصاد الوطني، ويمنح مشروعات التنمية بعدًا يتجاوز تحسين الخدمات إلى بناء قاعدة اقتصادية أكثر اتساعًا.

من عبور القناة إلى عبور سيناء.. عتلم: أكتوبر علّمنا أن المستحيل يصبح ممكنًا

واختتم الدكتور وليد عتلم تصريحاته لـ«خمسة سياسة» بالتأكيد على أن أفضل احتفال بذكرى أكتوبر لا يقتصر على تذكر أبطال العبور، وإنما يتمثل أيضًا في مواصلة مشروع العبور نفسه؛ من عبور قناة السويس إلى عبور سيناء نحو المستقبل، ومن تحرير الأرض إلى تعميرها، ومن نصر السلاح إلى نصر التنمية.

وقال إن أكتوبر علّم المصريين أن المستحيل يمكن أن يصبح ممكنًا عندما تمتلك الدولة الإرادة والقدرة، معتبرًا أن تنمية سيناء تمثل تعبيرًا حديثًا عن هذه الإرادة، من خلال مشروعات التنمية والعمران والإنتاج، وبناء مقومات اقتصادية واجتماعية تعزز ارتباط سيناء بمسار التنمية الوطنية.

وأضاف أن معركة التنمية تمثل معركة جديدة في زمن مختلف، تختلف أدواتها عن أدوات الحرب، إلا أن هدفها يرتبط ببناء القوة والحفاظ على الأرض وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات.

وأكد أن استمرار العمل على تنمية سيناء وتحويلها إلى منطقة منتجة وعامرة ومتصلة بالاقتصاد الوطني يظل أحد المسارات المهمة لترجمة دروس أكتوبر إلى واقع، بحيث لا تبقى ذكرى النصر مرتبطة بالماضي فقط، وإنما تتحول إلى دافع لمواصلة البناء وتحقيق التنمية والاستقرار.