«قبل ما يبقوا نجوم.. كانوا على الجبهة: حكايات فنانين شاركوا في حرب أكتوبر»
لم تبدأ حكاية هؤلاء من استوديو تصوير، ولا من خشبة مسرح، ولا تحت أضواء الشهرة.
قبل أن يعرفهم الجمهور بأدوارهم وشخصياتهم، عاشوا سنوات من عمرهم داخل صفوف القوات المسلحة، وبعضهم وجد نفسه في قلب المعركة يوم السادس من أكتوبر 1973.
فنانون حملوا السلاح في حرب أكتوبر
فبينما ارتبطت أسماء لاحقة مثل محمود الجندي ولطفي لبيب وأحمد بدير وأحمد فؤاد سليم وحسن العدل وسامي عبد الحليم بعالم الفن، كانت لهم في سنوات الشباب حكاية أخرى؛ حكاية بدأت بالتجنيد والتدريب، ووصلت إلى الجبهة، وشهد أصحابها لحظات العبور والمعارك والخسائر.
واللافت أن بعض هؤلاء لم يكونوا معروفين للجمهور وقت الحرب، بل جاءت الشهرة الفنية في مراحل لاحقة من حياتهم، لتكشف السنوات التالية أن عددًا من الوجوه التي عرفناها من الشاشة كان لها فصل مختلف تمامًا في تاريخها.. فصل كُتب بالزي العسكري.
لطفي لبيب.. جندي المشاة الذي عبر القناة قبل أن يعرفه الجمهور
من أكثر التجارب توثيقًا تجربة الفنان لطفي لبيب، الذي كان مجندًا في الكتيبة 26 مشاة، إحدى الكتائب التي عبرت قناة السويس في السادس من أكتوبر.
لم تكن حياة الفنان قد اتخذت شكلها المعروف بعد؛ فقد كان قد التحق بمعهد الفنون المسرحية، ثم اختار مع زملائه التطوع في القوات المسلحة عقب نكسة 1967، قبل أن يتم تجنيده لاحقًا في كتيبة المشاة.
ولم يكتف لبيب بالحديث عن التجربة بعد سنوات، بل وثقها في كتاب حمل اسم «الكتيبة 26»، تناول فيه تفاصيل الفترة من سبتمبر 1973 وحتى فبراير 1974، وما عاشه مع زملائه منذ الاستعداد للعبور وحتى ما بعد الحرب.
وفي شهادته، تحدث عن عبور القناة واقتحام المواقع الإسرائيلية، لتصبح تجربته العسكرية واحدة من أكثر القصص تفصيلًا بين الفنانين الذين شاركوا في أكتوبر.
محمود الجندي.. حلم الفن توقف سبع سنوات بسبب الحرب
كان محمود الجندي قد تخرج في المعهد العالي للسينما عام 1967، وكان يستعد لبداية حياته الفنية، لكن النكسة غيرت مسار حياته.
التحق بالقوات المسلحة، واستمر في الخدمة سبع سنوات، من 1967 وحتى 1974، وعمل ضابط احتياط في القوات الجوية.
وعندما اندلعت حرب أكتوبر، كان الجندي في مطار فايد، وعاش الحرب من داخل القوات الجوية. وروى لاحقًا كيف كان يرى زملاءه ينطلقون في مهام جوية، ثم يعود بعضهم دون رفاقهم، وهي تجربة قال إنها تركت أثرًا كبيرًا في شخصيته.
المفارقة أن الجندي الذي كان يحلم بالسينما قبل 1967، عاد إلى الفن بعد انتهاء خدمته، ليصبح واحدًا من أبرز وجوه السينما والتليفزيون المصري.
أحمد فؤاد سليم.. من الدفاع الجوي إلى الشاشة
تختلف حكاية أحمد فؤاد سليم قليلًا؛ فقد دخل القوات المسلحة خلال حرب الاستنزاف، وخدم في سلاح الدفاع الجوي.
وتحدث سليم بنفسه عن سنوات خدمته، موضحًا أنه كان يعمل على مدفع مضاد للطائرات عيار 23 ملليمترًا، وأنه ظل في القوات المسلحة حتى عام 1974، أي بعد انتهاء حرب أكتوبر.
كما روى أنه كان موجودًا ضمن قوات الدفاع الجوي خلال فترة الحرب، وهو ما يجعل تجربته قائمة على شهادة مباشرة من صاحبها، وليس مجرد ذكر اسمه ضمن قوائم الفنانين المشاركين.
وبعد سنوات، أصبح سليم واحدًا من الوجوه المعروفة في الدراما والسينما المصرية، بينما بقيت سنوات الجبهة جزءًا أساسيًا من سيرته الشخصية.
أحمد بدير.. عاش العبور من قلب المعركة وحمل وصية شهيد
لم يكن أحمد بدير مجرد فنان أدى خدمته العسكرية، وإنما تحدث عن وجوده خلال لحظة العبور نفسها، ووصف السادس من أكتوبر بأنه واحد من أعظم وأطول الأيام التي عاشها.
ومن أكثر القصص التي ارتبطت بشهادته عن الحرب قصة زميله المجند صابر، الذي استشهد أمامه وترك وصية لأسرته بألا يقيموا عزاءه قبل تحرير الأرض.
حمل بدير الوصية إلى أسرة زميله بعد الحرب، وظلت الواقعة واحدة من أكثر ذكرياته ارتباطًا بتجربة أكتوبر.
كما عمل خلال الحرب مراسلًا حربيًا في الشؤون المعنوية، وشارك في إعداد مواد إعلامية تهدف إلى رفع الروح المعنوية للجنود، ومن بينها مواد ارتبطت ببرنامج «صوت المعركة».
حسن العدل.. إصابة في المعركة أبقته ثلاثة أشهر في المستشفى
من أكثر شهادات الفنانين تأثيرًا شهادة حسن العدل، الذي قال إن حرب أكتوبر تمثل بالنسبة له «لحظة الميلاد»، نظرًا لما تركته التجربة من أثر في حياته.
التحق العدل بالقوات المسلحة في فبراير 1972، أي قبل الحرب بنحو عام ونصف، وتلقى تدريبات عسكرية قبل أن يخوض الحرب ضمن سلاح المدفعية.
وفي 16 أكتوبر، تعرض للإصابة خلال المعارك، ونُقل إلى المستشفى، وظل يتلقى العلاج لنحو ثلاثة أشهر.
وهكذا لم تكن مشاركته مجرد وجود داخل القوات المسلحة وقت الحرب، وإنما عاش تجربة القتال والإصابة والعلاج بعدها، قبل أن يستكمل لاحقًا مشواره الفني.
سامي عبد الحليم.. مجند في لواء المشاة قبل دخول عالم الفن
كان سامي عبد الحليم من خريجي كلية ضباط الاحتياط، والتحق بالجيش عام 1972، قبل حرب أكتوبر بنحو عام.
وخدم في اللواء 11 مشاة ميكانيكي، وشارك مع وحدته في تدريبات ومشروعات عسكرية سبقت الحرب، قبل أن يعيش أجواء أكتوبر ضمن قوات المشاة الميكانيكية.
وتحدث عبد الحليم عن تلك الفترة باعتبارها مرحلة شكلت وعيه، موضحًا أن التدريبات والاستعدادات التي سبقت الحرب كانت جزءًا من الحياة اليومية للجنود، وأنه كان يشعر بأن هناك شيئًا كبيرًا يقترب.
وبعد ذلك أصبح وجهًا معروفًا في الوسط الفني، لكن سنوات خدمته العسكرية سبقت تلك الشهرة بسنوات.
حمدي الوزير.. أصغر مجند وتجربة بدأت قبل أكتوبر بسنوات
حكاية حمدي الوزير تبدأ مبكرًا؛ فمنذ نكسة 1967 شارك في المقاومة الشعبية في بورسعيد، قبل أن يصر على الالتحاق بالقوات المسلحة رغم وجود تأجيل للخدمة.
وبالفعل التحق بالجيش، وخدم في سلاح المهندسين العسكريين، وكان مركز التدريب الذي التحق به تحت قيادة الشهيد العميد أحمد حمدي.
ويروي الوزير أنه شارك في أعمال مرتبطة بالمهندسين العسكريين، منها التعامل مع الألغام والمفرقعات وتجهيز الكباري المائية، كما تحدث عن وجوده ضمن القوات التي عبرت قناة السويس في أكتوبر.
وتبقى من أكثر التفاصيل اللافتة في روايته أنه كان في ذلك الوقت من أصغر المجندين سنًا، وأن تجربته العسكرية سبقت شهرته الفنية بسنوات طويلة.
حسن العدل وسامي عبد الحليم وأحمد فؤاد سليم.. شهادات مباشرة من جيل الحرب
وتزداد قيمة هذه القصص عندما تأتي من أصحابها مباشرة؛ فقد تحدث الفنانون حسن العدل وسامي عبد الحليم وأحمد فؤاد سليم في لقاءات إعلامية عن تفاصيل تجنيدهم، والأسلحة التي خدموا فيها، والاستعدادات التي سبقت الحرب، وما عاشوه أثناء المعارك.
وفي شهاداتهم، يظهر بوضوح أن تجربة هؤلاء لم تكن مجرد ذكرى عابرة، وإنما سنوات كاملة من حياتهم قضوها داخل المؤسسة العسكرية قبل أن تتحول أسماؤهم لاحقًا إلى أسماء معروفة في الوسط الفني.
قبل الشهرة.. كان هناك جندي
القاسم المشترك بين هذه الحكايات ليس فقط أن أصحابها أصبحوا فنانين، وإنما أن الفن لم يكن هو العنوان الأول في حياتهم وقت أكتوبر.
لطفي لبيب كان جندي مشاة يعبر القناة، محمود الجندي كان ضابط احتياط في القوات الجوية، أحمد فؤاد سليم كان في الدفاع الجوي، حسن العدل خاض المعارك وأصيب، سامي عبد الحليم كان في المشاة الميكانيكية، وأحمد بدير عاش العبور وعمل في الشؤون المعنوية، بينما ارتبطت تجربة حمدي الوزير بسلاح المهندسين العسكريين.
ثم جاءت السنوات التالية، وبدأت الكاميرات تعرف وجوههم، وأصبحت أسماؤهم مألوفة للجمهور.
لكن حين تعود الحكاية إلى بدايتها، ستجد أن بعض هؤلاء الفنانين لم يبدأوا من أمام الكاميرا أصلًا..
بدأوا من الجبهة.
وفي أكتوبر، لم تكن الشهرة قد صنعت أسماءهم بعد، لكن الحرب تركت في سيرتهم قصة بقيت أطول من أي دور فني أدوه على الشاشة.
للمزيد اضغط هنـــــــــــــــــــــــــا
