الفن مرآة للوطن، والفنان جندي يحمل سلاحاً من نوع آخر. حقيقة أثبتتها عقود طويلة، لم يقف فيها أهل الفن على هامش الأحداث، بل كانوا في طليعة الصفوف وقت الأزمات، وصولاً إلى قبة البرلمان.
عندما صمتت المدافع بعد الخامس من يونيو 1967، لم تكن الخزينة العامة للدولة تملك ثمن إعادة بناء جيش كامل، لكنها كانت تملك ما هو أغلى، صوت أم كلثوم وحنجرة عبد الحليم وقلب إسماعيل يس. في تلك الليلة الحزينة، تحول الفن المصري من وسيلة للترفيه إلى وزارة دفاع موازية، جمعت الملايين قبل أن تجمعها البنوك، وضمدت الجراح قبل الأطباء، وغنت للنصر قبل أن يحدث بست سنوات.
هذه ليست حكاية أغاني وطنية، هذه حكاية حسابات بنكية فُتحت باسم الجيش، ومجوهرات نُزعت من الرقاب، وحفلات تحولت لمعسكرات تجنيد. وعندما انتهت الحرب وانتصر السلاح، لم تنتهِ علاقة الدولة بالفنان، بل بدأت مرحلة جديدة من التكريم السياسي، فمنهم من انتخبه الشعب حباً فيه، ومنهم من عينه الرئيس تقديراً لدوره كقوة مصر الناعمة. هذا الملف يوثق بالأرقام والتواريخ ماذا دفع كل فنان، وماذا غنى، وكيف انتهت رحلته تحت قبة البرلمان.
"كوكب الشرق" أم كلثوم.. أكبر متبرع فردي في تاريخ المجهود الحربي
بعد نكسة يونيو 1967 دخلت في حالة اكتئاب حاد وقررت اعتزال الفن نهائياً بعدما أطلق بعض الجهلاء مقولة أن أغانيها خدرت الشعب وتسببت في الهزيمة، فاتصل بها الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه من الرئاسة وأقنعها بالعدول عن الاعتزال وقال لها أنتي جندي زيك زي اللي على الجبهة، فوافقت ورفعت شعارها التاريخي "الفن من أجل المجهود الحربي" وأعلنت أن كل حفلاتها للمجهود الحربي. بدأت بتبرع فوري 20 ألف جنيه إسترليني ومجوهراتها الشخصية بالكامل وأسست الهيئة الوطنية لتجمع المرأة المصرية لجمع الذهب والمصوغات من السيدات وجمعت أكثر من 100 كيلو ذهب في أول شهرين. ثم بدأت سلسلة حفلاتها الداخلية: يوم 17 أغسطس 1967 في مركز شباب دمنهور وقدمها المحافظ وجيه أباظة على أنها "أم كلثوم المناضلة التي تقاتل بأمضى سلاح وهو سلاح الفن" وجمعت 80 ألف جنيه رغم أن أعلى إيراد عادي لها كان 18 ألف جنيه فقط، ثم حفل الإسكندرية جمعت 100 ألف جنيه نقداً بالإضافة إلى 40 كيلو حلي بقيمة 82 ألف دولار، ثم المنصورة 125 ألف جنيه، ثم طنطا 284 ألف جنيه وهو الرقم الأكبر في تاريخ الحفلات الداخلية وقتها. لم تكتف بالداخل فانطلقت للخارج، حفلها الأسطوري في مسرح أولمبيا بباريس يومي 13 و15 نوفمبر 1967 رفعت فيه سعر التذكرة من 30 فرنك إلى 300 فرنك وحققت 212 ألف جنيه إسترليني وحدها، وقدمها الإذاعي الكبير جلال معوض والصحافة الفرنسية وصفتها بأغلى مطربة في العالم وأنها حققت لمسرح الأولمبيا أكبر دخل في تاريخه، والرئيس الفرنسي شارل ديجول أرسل لها رسالة بخط يد بطل المقاومة الفرنسية وقال لها "أنتِ ضمير أمة". زارت بعدها الكويت وأبوظبي ولبنان وباكستان وتونس بحضور بورقيبة والمغرب بحضور الملك الحسن الثاني والخرطوم والبحرين والعراق وليبيا. الحصيلة النهائية حتى نهاية 1970 تجاوزت 3 ملايين دولار ولم يدخل جيبها دولار واحد رغم أنها كانت في الثامنة والستين ومريضة وكانت تقول "لن يغفل لي جفن وشعب مصر يشعر بالهزيمة". غنت للمعركة "إنا فدائيون" و"دوس على كل الصعب" و"سير بإيمان".
عبد الحليم حافظ.. العندليب المجند وصاحب الـ 65 أغنية وطنية
هو الرقم الأكبر في تاريخ الغناء العربي. واكب ظهوره قيام ثورة يوليو فقدم أول أغنية للثورة عام 1952 على مسرح نادي القوات المسلحة بالزمالك بعنوان "ثورتنا المصرية". بعد نكسة 1967 اعتكف 15 يوماً كاملاً في مبنى الإذاعة المصرية في استوديو 46 مع عبد الرحمن الأبنودي وكمال الطويل وبليغ حمدي وأنتج 10 أغنيات حربية مرة واحدة. مادياً تبرع بكل أجوره، أحيا حفله التاريخي في قاعة ألبرت هول بلندن أمام 8 آلاف متفرج ذهب إيراده بالكامل لإزالة آثار العدوان وغنى فيه "المسيح" و"عدى النهار" لأول مرة، ثم حفل سينما الأندلس بالكويت يوم 10 نوفمبر 1967 جمع ما يعادل 40 ألف دينار كويتي وقتها، وكل حفلات أضواء المدينة من 1967 حتى 1970 تبرع بأجرها بالكامل وتنازل عن حقوقه الإذاعية لتذاع أغانيه الوطنية مجاناً. أطلق قسمه الشهير "أحلف بسماها وبترابها.. لن أبدأ أي حفلة إلا بهذه الأغنية حتى تتحرر سيناء" وظل باراً بقسمه 6 سنوات كاملة حتى نصر أكتوبر. أغانيه الوطنية: إحنا الشعب 1956 أول أغنية لجمال عبد الناصر بعد اختياره رئيساً، الله يا بلدنا بعد العدوان الثلاثي، حكاية شعب 1960 في أسوان أمام عبد الناصر بمناسبة وضع حجر أساس السد العالي، الوطن الأكبر نشيد جماعي مع أم كلثوم وعبد الوهاب، بستان الاشتراكية، المسؤولية، بلدي يا بلدي، عدى النهار، المسيح، أحلف بسماها، ابنك يقولك يا بطل، يا أهلا بالمعارك، خلي السلاح صاحي، عاش اللي قال 1973 أول أغنية تمجد دور السادات في الحرب، صباح الخير يا سينا 1974، المركبة عدت والنجمة مالت على القمر 1975 بعد افتتاح قناة السويس. رغم مرضه بتليف الكبد و61 عملية جراحية رفض العلاج على نفقة الدولة في 1967 وقال فلوس العلاج أولى بيها الجيش.
إسماعيل يس.. كوميديان الجيش
مع قيام ثورة يوليو 1952 كان أول فنان يتبرع، تبرع بمبلغ 2000 جنيه للحكومة لدعم المجهود الحربي وهو مبلغ ضخم جداً وقتها وحصل على خطاب شكر رسمي من رئيس الوزراء جمال عبد الناصر قبل أن يصبح رئيساً، وحضر عبد الناصر بنفسه مع مجلس قيادة الثورة عرض فيلمه "إسماعيل يس في الجيش" بسينما ديانا ليؤكد شعار الجيش والشعب إيد واحدة. قدم بعدها سلسلة أفلامه الشهيرة إسماعيل يس في الأسطول والطيران والبوليس الحربي وكانت بتوجيه من الدولة لتحبيب الشباب في التجنيد. رغم ذلك اضطهد بعد نكتة سياسية قال فيها إنه ينتظر خبر وفاة ينشر في الصفحة الأولى وليس الأخيرة وفهمها عبد الناصر أنها ضده فمنع من مسرح الدولة والسينما وحجزت الضرائب على فيلته ورصيده البالغ 200 ألف جنيه ولم يتبق له سوى 2 جنيه واضطر للعمل في كباريه شهرزاد مقابل 300 جنيه في الليلة حتى مات عام 1972 لا يملك ثمن جنازته.
فريد شوقي وتحية كاريوكا وفاتن حمامة وشريفة فاضل
فريد شوقي وحش الشاشة أنتج على حسابه الخاص فيلم "بورسعيد" عام 1957 بعد شهور قليلة من العدوان الثلاثي بطلب مباشر من جمال عبد الناصر وشاركته زوجته هدى سلطان. تحية كاريوكا لم تغنِ بل تطوعت لشهور طويلة في مستشفى قصر العيني مع الهلال الأحمر لتمريض مصابي الحرب وجمع التبرعات وكانت تبيت في المستشفى بالأسابيع. فاتن حمامة سيدة الشاشة العربية كانت من أوائل المتطوعات في التمريض وعلاج الجرحى واستمرت لشهور متتالية دون ملل. شريفة فاضل قدمت أغلى ما تملك وهو ابنها الطيار السيد سيد بدير الذي استشهد في حرب الاستنزاف فقدمت بعدها الأيقونة الخالدة "أم البطل" التي أصبحت النشيد الرسمي لكل أم شهيد.
لماذا انتخب الشعب الفنانين؟ قصة فايدة كامل وحمدي أحمد:
دخول الفنان البرلمان بالانتخاب لم يكن صدفة، كان مقصوداً من الشعب لسببين، أولاً الثقة والشهرة فالناخب البسيط يثق في الوجه الذي يحبه ويراه كل يوم على الشاشة، وثانياً القدرة على التوصيل فالناس كانت تعتقد أن الفنان سيوصل صوتهم للدولة بطريقة أفضل لأنه يعرف كيف يتكلم.
فايدة كامل: المطربة التي اعتزلت الغناء وقررت دخول السياسة. ترشحت عام 1971 عن دائرة الخليفة بالقاهرة، وهي دائرة شعبية بامتياز. فازت باكتساح لأن الناس رأوا فيها بنت البلد الأصيلة التي ستسمعهم. لم تكن مجرد مطربة، كانت زوجة نائب سابق وتعرف دهاليز السياسة. انتخبها الشعب لأنها كانت قريبة من الغلابة، صوتها محبوب، وكانت تفتح بيتها للجميع. ظلت نائبة 34 عاماً متواصلة من 1971 حتى 2005 لتدخل موسوعة جينيس كأطول برلمانية فنية
بقاءً في العالم. ترأست لجنة الثقافة والإعلام والسياحة.
حمدي أحمد: اختار دائرة بولاق الدكرور، دائرة العمال والغلابة. ترشح عام 1979 عن حزب العمل الاشتراكي المعارض وفاز لأنه كان مثقفاً مشتبكاً يتحدث لغة الناس. انتخبه الشعب لأنه كان يمثل المعارضة الشريفة، الفنان الذي لا يخاف. كان نائباً شرساً ومعارضاً قوياً وعرف بمداخلاته الجريئة التي تدافع عن الفقراء والحرية.
التعيين بقرار جمهوري.. من محمود المليجي إلى ياسر جلال وخالد جلال:
الدستور المصري يمنح رئيس الجمهورية حق تعيين 100 عضو في مجلس الشيوخ لتمثيل الخبرات والكفاءات التي قد لا تخوض الانتخابات. وهنا تحول التكريم من انتخاب شعبي إلى قرار جمهوري.
ياسر جلال وخالد جلال دفعة أكتوبر 2025: صدر القرار الجمهوري يوم 12 أكتوبر 2025 بتعيين 100 عضو في مجلس الشيوخ للفصل التشريعي الثاني (2025-2030). ضمت القائمة الفنان ياسر جلال والمخرج الكبير خالد جلال رئيس قطاع الإنتاج الثقافي ومكتشف أجيال من النجوم والروائي أحمد مراد. تسلموا كارنيه العضوية يوم 16 أكتوبر 2025 في حفل استقبال الأمانة العامة للمجلس. نقابة المهن التمثيلية قالت إن القرار "تكريم للفن المصري واعتراف بدور الفنان في تشكيل الوعي ووسام شرف للفن والفنانين". تم تعيين ياسر جلال وكيلاً للجنة الثقافة والإعلام والسياحة والآثار. تم اختيار ياسر جلال لأنه قدم شخصية الرئيس السيسي في مسلسل الاختيار 3 وأصبح رمزاً للدراما الوطنية، وخالد جلال لأنه أهم مخرج مسرحي في مصر وصاحب مركز الإبداع الذي تخرج منه معظم نجوم الجيل الحالي.
السجل التاريخي للتعيينات: محمود المليجي عام 1980 أول فنان يعينه السادات في مجلس الشورى بعد إنشائه وظل حتى وفاته 1983، ثم محمد عبد الوهاب عينه مبارك عام 1983 خلفاً للمليجي، ثم أمينة رزق في مايو 1991 كأول فنانة تدخل المجلس تعييناً تقديراً لعطائها، ثم مديحة يسري في يوليو 1998 وعرفت الخبر من نشرة أخبار التلفزيون وقالت "قدمت 120 عملاً فنياً ولم أخف إلا وأنا أقف أمام ميكروفون مجلس الشورى"، ثم يحيى الفخراني وسميرة عبد العزيز عينهما الرئيس السيسي في أكتوبر 2020.
