أعادت حرب أكتوبر 1973 رسم صورة الصراع العربي الإسرائيلي في عيون العالم، بعدما نجحت القوات المسلحة المصرية في عبور قناة السويس وتحطيم تحصينات خط بارليف، في مشهد فاجأ الدوائر السياسية والعسكرية وفرض نفسه بقوة على الصفحات الأولى لكبرى الصحف ووكالات الأنباء العالمية.
فمع انطلاق الضربة الجوية المصرية في الثانية ظهرًا يوم السادس من أكتوبر، وبدء عبور القوات المصرية إلى الضفة الشرقية للقناة، وجدت وسائل الإعلام الدولية نفسها أمام تطور عسكري لم يكن متوقعًا على هذا النحو، خصوصًا بعد سنوات من ترسيخ صورة التفوق العسكري الإسرائيلي عقب حرب يونيو 1967.
ولم تتوقف أهمية التغطية الدولية عند نقل أخبار المعارك، إذ تحولت صحف ومجلات أمريكية وأوروبية إلى تحليل أسباب المفاجأة العسكرية المصرية، وطبيعة التخطيط الذي سبق الحرب، وكيف تمكنت القوات المصرية من تجاوز واحد من أكثر الخطوط الدفاعية تحصينًا في المنطقة.
الصحافة الأمريكية.. مفاجأة العبور وسقوط حسابات ما بعد 1967
عكست الصحافة الأمريكية خلال الأيام الأولى للحرب حجم المفاجأة التي أحدثتها العمليات المصرية والسورية على الجبهتين.
ونقلت صحيفة نيويورك تايمز في 7 أكتوبر 1973 تطورات القتال تحت عنوان تناول المواجهات على جبهتين وعبور القوات المصرية لقناة السويس، إلى جانب المعارك الجوية المكثفة، في وقت بدأت فيه الحسابات الدبلوماسية الأمريكية تتأثر بالتطورات العسكرية المتسارعة.
أما واشنطن بوست، فقد ركزت في تغطيتها على البعد النفسي للعبور المصري، معتبرة أن القوات المصرية حققت مكسبًا معنويًا وعسكريًا كبيرًا باستعادة السيطرة على أجزاء من الضفة الشرقية للقناة وتجاوز التحصينات الإسرائيلية.
وفي 21 أكتوبر 1973، تناولت مجلة نيوزويك التطورات من زاوية عسكرية وتكنولوجية، في ظل تراجع الثقة المطلقة التي سادت قبل الحرب في قدرة إسرائيل على حسم أي مواجهة اعتمادًا على تفوقها العسكري والتكنولوجي.
كما اهتمت مجلة نيويوركر بالجانب الهندسي للعملية العسكرية المصرية، ولا سيما استخدام خراطيم المياه لفتح ثغرات في الساتر الترابي لخط بارليف، إلى جانب عمليات عبور القوات والمعدات إلى الضفة الشرقية للقناة.
وأظهرت هذه التغطيات أن المفاجأة لم تكن مرتبطة بحجم الهجوم فحسب، وإنما بقدرة القوات المصرية على تنفيذ عملية معقدة جمعت بين التخطيط والهندسة العسكرية والتنسيق بين مختلف أفرع القوات المسلحة.
الصحافة البريطانية والأوروبية.. إعادة قراءة التفوق الإسرائيلي
انتقلت أصداء المفاجأة العسكرية إلى الصحافة البريطانية والأوروبية، التي تابعت التطورات الميدانية وبدأت في إعادة تقييم عدد من التصورات التي ترسخت منذ حرب 1967.
وأشارت فاينانشال تايمز إلى تداعيات الحرب على صورة التفوق الإسرائيلي، بينما تناولت ديلي تليجراف تأثير الساعات الأولى للعبور على مسار الصراع في الشرق الأوسط.
وركزت ديلي ميل على التداعيات النفسية والسياسية داخل إسرائيل، في حين تناولت صحيفة الأوبزرفر التطور الذي طرأ على القدرات العسكرية المصرية، وما كشفته الحرب من تغير في طبيعة المواجهة.
وبذلك لم تعد التغطية الأوروبية تنظر إلى المعركة باعتبارها مواجهة تقليدية بين طرفين، وإنما باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لموازين القوى التي تشكلت بعد حرب 1967.
الصحافة الفرنسية.. التخطيط المصري في مواجهة نظرية الحدود الآمنة
احتلت حرب أكتوبر مساحة واسعة في الصحافة الفرنسية، التي اهتمت بالبعد السياسي والاستراتيجي للحرب إلى جانب التطورات العسكرية.
وركزت صحيفة لوموند على الدور الذي لعبه التخطيط السياسي والعسكري المصري في الإعداد للحرب، واعتبرت أن عملية العبور لم تكن نتيجة تحرك عسكري مفاجئ فحسب، وإنما جاءت في إطار خطة واسعة نجحت في تحقيق عنصر المفاجأة.
كما ربطت الصحيفة بين العبور المصري والتغير الذي طرأ على موازين القوى في المنطقة، وما فرضه ذلك من ضرورة إعادة التفكير في مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي.
من جانبها، تناولت لو فيجارو ما وصفته بتداعيات الحرب على مفهوم «الحدود الآمنة» في العقيدة الإسرائيلية، مشيرة إلى أن التحصينات العسكرية، مهما بلغت درجة تعقيدها، لا يمكن أن تكون وحدها ضمانًا دائمًا للأمن.
أما صحيفة لومانيتيه، فقد سلطت الضوء على المفاجأة التي تعرضت لها إسرائيل، معتبرة أن التقديرات السابقة لم تضع في حساباتها بصورة كافية احتمال شن هجوم مصري واسع في السادس من أكتوبر.
وفي السياق ذاته، تناولت مجلة الدفاع الفرنسية الحرب من منظور عسكري واستراتيجي، وركزت على طبيعة التخطيط والتنظيم الذي ظهر في العمليات المصرية، معتبرة أن المعركة كشفت عن قدرة عربية متنامية على إدارة حرب معقدة وطويلة المدى.
وأظهرت مجمل التغطية الفرنسية أن حرب أكتوبر لم تعد تُقرأ باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية جديدة، وإنما باعتبارها اختبارًا للعقيدة الأمنية الإسرائيلية وللتوازنات السياسية في الشرق الأوسط.
الصحافة الألمانية.. اهتزاز صورة إسرائيل العسكرية
عكست الصحافة الألمانية بدورها حجم التأثير الذي أحدثته الحرب في التصورات الأوروبية عن القدرات العسكرية العربية.
وتناولت مجلة دير شبيجل في عددها الصادر في 15 أكتوبر 1973 التطورات العسكرية تحت عنوان يعكس اهتزاز الصورة التي ارتبطت بإسرائيل منذ حرب 1967، مع تركيز على نجاح القوات المصرية في عبور القناة وتحقيق مكاسب ميدانية في الأيام الأولى للحرب.
كما تناولت تقارير ألمانية أخرى نجاح القوات المصرية في الاحتفاظ بمواقعها شرق القناة، وما حمله ذلك من دلالات عسكرية ونفسية على قدرة الجندي العربي على خوض مواجهة منظمة أمام الجيش الإسرائيلي.
وفي ألمانيا الشرقية، اتخذت التغطية اتجاهًا أكثر دعمًا للموقف العربي، إذ تناولت الصحافة الحرب من زاوية القانون الدولي وحق الدول في الدفاع عن أراضيها واستعادتها.
كما ركزت داي تسايت على تداعيات الحرب على مفهوم الأمن الإسرائيلي، وربطت بين الصدمة العسكرية والمفاجأة الاستخباراتية التي سبقت اندلاع القتال.
وبذلك خلصت قطاعات من الصحافة الألمانية إلى أن نتائج الأيام الأولى للحرب فرضت مراجعة للعديد من التصورات السابقة بشأن توازن القوى في الشرق الأوسط.
الصحافة الروسية.. إبراز دور الدفاع الجوي والتسليح السوفيتي
أما الصحافة الروسية، فركزت بدرجة أكبر على الجوانب العسكرية والتقنية للحرب، خصوصًا ما يتعلق بالأسلحة السوفيتية التي استخدمتها القوات المصرية والسورية.
وأبرزت صحيفة برافدا نجاح منظومات الدفاع الجوي المصرية في مواجهة الطيران الإسرائيلي، مع التركيز على الدور الذي لعبته صواريخ «سام» في الحد من فاعلية الطائرات الإسرائيلية، ولا سيما طائرات «فانتوم».
كما اهتمت صحيفة كراسنايا زفيزدا بالتفاصيل التكتيكية للمعارك، وتناولت نجاح القوات المصرية في اختراق خط بارليف والتمركز شرق القناة، معتبرة أن العمليات كشفت عن قدرة القوات العربية على استخدام الأسلحة الحديثة بكفاءة.
وتحولت الحرب في الصحافة السوفيتية إلى نموذج للاستدلال على فعالية منظومات التسليح والدفاع الجوي التي حصلت عليها مصر وسوريا، في مواجهة الدعاية التي شككت قبل الحرب في قدرة الجيوش العربية على التعامل مع التكنولوجيا العسكرية الحديثة.
حرب أكتوبر.. معركة أعادت تشكيل صورة الصراع
كشفت التغطيات الدولية لحرب أكتوبر عن حجم التحول الذي أحدثته المعركة في نظرة العالم إلى الصراع العربي الإسرائيلي. فبعد سنوات من ترسيخ صورة التفوق الإسرائيلي المطلق، جاءت عملية العبور المصرية لتفرض واقعًا عسكريًا جديدًا، بدأ معه الإعلام الدولي في إعادة تقييم قدرات الجيش المصري وطبيعة الاستعداد الذي سبق الحرب.
ولم يكن عبور قناة السويس مجرد عملية عسكرية ناجحة، وإنما كان نقطة تحول في الوعي الاستراتيجي الذي تشكل بعد حرب 1967. فقد أثبتت القوات المصرية أن التحصينات الهندسية والتفوق التكنولوجي لا تكفي وحدها لحسم المعارك، وأن التخطيط الدقيق وعنصر المفاجأة والإعداد الجيد يمكن أن تغير حسابات القوى العسكرية.
كما أظهرت التغطيات أن صدمة الحرب تجاوزت ساحات القتال إلى دوائر السياسة الدولية، بعدما أصبح استمرار الوضع القائم في الشرق الأوسط أكثر صعوبة، وبرزت الحاجة إلى تحرك سياسي يعالج جذور الصراع وملف الأراضي المحتلة.
ومن هنا، لم تكن مانشيتات الصحف العالمية مجرد وسيلة لنقل أخبار المعارك، وإنما تحولت إلى سجل يوثق اللحظة التي تغيرت فيها صورة الجندي العربي في الإعلام الدولي، وتراجعت معها بعض التصورات التي ترسخت عقب حرب 1967.
وبعد أكثر من خمسة عقود، تظل قراءة حرب أكتوبر من خلال الصحافة العالمية واحدة من زوايا فهم ذلك الحدث التاريخي؛ لأنها تكشف كيف استقبل العالم خبر العبور، وكيف انتقلت التغطية من المفاجأة الأولى إلى تحليل أسباب النجاح العسكري المصري، وما ترتب عليه من تداعيات سياسية واستراتيجية امتدت آثارها إلى ما بعد توقف القتال.
غزة تحت الخناق.. أطباء بلا حدود تحذر من انهيار الخدمات الصحية
