هناك جيوش تحارب من أجل أرض، وهناك جيش يحارب لأن الأرض تسكن فيه. هذا هو جيش مصر. ثلاثة وخمسون عاما مرت على عبور أكتوبر، وما زالت صورة الجندي المصري وهو يحمل سلاحه ويحمل معه حب الوطن في قلبه، هي الصورة الأبقى والأجمل في ذاكرة هذه الأمة.
في أكتوبر لم يكن السلاح وحده هو الذي عبر القناة، بل عبرت معه عقيدة راسخة بأن حبة رمل واحدة من سيناء تساوي حياة. عبر الإيمان بأن مصر الجميلة، بنيلها وشعبها وتاريخها، تستحق أن يبذل من أجلها كل غال ونفيس. هذا الجيش الذي لم يعرف يوما معنى للانكسار، هو الذي جعل المستحيل ممكنا، وحول الهزيمة إلى نصر، والجمود إلى حركة غيرت وجه الشرق الأوسط.
حرب أكتوبر لم تكن مجرد خطة عسكرية عبقرية، بل كانت قصة حب طويلة بين جندي ووطن. قصة ضابط صائم احتضن سلاحه، ومجند شاب كتب على خوذته تحيا مصر، وقائد آمن بأن الكرامة لا تمنح بل تنتزع. ومن هنا، من هذا الحب، بدأت الحكاية التي هزت العالم.
تظل حرب أكتوبر 1973 حاضرة في الذاكرة المصرية والعربية باعتبارها نقطة تحول رئيسية في مسار الصراع العربي الإسرائيلي. ولا تقتصر أهميتها على نتائجها العسكرية أو ما أحدثته في موازين القوى، بل تمتد إلى ما كشفته عن طبيعة التفاعلات الدولية في واحدة من أكثر مراحل الحرب الباردة تعقيدا.
جاءت الحرب في وقت كانت فيه الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي يسعيان إلى تهدئة التوتر بينهما، مع استمرار تنافسهما على النفوذ في مناطق مختلفة من العالم. وكان الشرق الأوسط هو الساحة الأكثر حساسية لهذا التنافس، في ظل ارتباط موسكو بعلاقات عسكرية وسياسية وثيقة مع مصر وسوريا، مقابل علاقة استراتيجية متنامية بين واشنطن وتل أبيب.
لهذا، لم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة إقليمية، بل مثلت اختبارا لقدرة القوتين العظميين على إدارة أزمة يرتبط كل منهما بأحد أطرافها، مع محاولة الموازنة بين دعم الحلفاء والحفاظ على مصداقية التزاماتهما، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. وقد أكدت الوثائق الأمريكية أن إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون تعاملت مع الحرب باعتبارها أزمة تجمع بين الالتزام بأمن إسرائيل والحفاظ على التوازن الإقليمي، وضرورة تجنب صدام أوسع مع الاتحاد السوفيتي.
غير أن قراءة الحرب باعتبارها مجرد امتداد للتنافس بين القوتين تظل غير كافية. فقد احتفظت الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتها مصر، بأهدافها وحساباتها الاستراتيجية الخاصة. ولم يكن القرار المصري بالحرب استجابة لإرادة سوفيتية، بل جاء في إطار محاولة لتغيير الوضع السياسي والعسكري الذي استقر منذ حرب يونيو 1967، وكسر حالة الجمود التي أخفقت التحركات الدبلوماسية السابقة في تجاوزها.
من هنا، تكشف حرب أكتوبر عن تفاعل ثلاثة مستويات مترابطة: محاولة مصر تغيير الوضع القائم وإعادة فتح المسار السياسي من موقع مختلف، والتنافس الأمريكي السوفيتي على حماية المصالح والنفوذ مع ضبط حدود التصعيد، ثم انتقال هذا التنافس بعد توقف العمليات إلى محاولة التأثير في مسار التسوية وترتيبات ما بعد الحرب.
حرب أكتوبر واختبار سياسة تهدئة التوتر
شهدت مرحلة حرب أكتوبر تحولا نسبيا في طبيعة العلاقات الأمريكية السوفيتية. فمع بداية سبعينيات القرن العشرين، اتجهت واشنطن وموسكو إلى تبني سياسة تهدف إلى خفض مستوى التوتر وتنظيم بعض جوانب المنافسة، خاصة في مجال الحد من التسلح وتعزيز قنوات الاتصال المباشر.
لكن هذه السياسة لم تعن إنهاء التنافس أو التوصل إلى توافق بشأن مناطق النفوذ. فقد استمرت الخلافات حول المصالح الإقليمية، وظل الشرق الأوسط إحدى الساحات التي ظهر فيها بوضوح التناقض بين محاولات ضبط العلاقة الثنائية واستمرار المنافسة على النفوذ.
وكانت حرب أكتوبر من أولى الاختبارات واسعة النطاق لقدرة هذا الإطار على التعامل مع أزمة تمس مصالح الطرفين بصورة مباشرة. وأصبح على الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إدارة مستويين متوازيين: دعم أطراف متعارضة في الحرب، ومنع هذا الدعم من تقويض العلاقات بينهما أو الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
واتسمت البيئة الإقليمية السابقة للحرب بحالة من الجمود منذ انتهاء حرب الاستنزاف، في ظل غياب تقدم حقيقي نحو تسوية النتائج المترتبة على حرب يونيو 1967.
وحاولت القيادة المصرية قبل الحرب تحريك هذا الجمود بأكثر من وسيلة. ففي يوليو 1972، قرر الرئيس أنور السادات إنهاء مهمة عدد كبير من المستشارين العسكريين السوفيت، وفتحت القاهرة قناة اتصال مع هنري كيسنجر من خلال مستشار الأمن القومي المصري حافظ إسماعيل. وفي فبراير 1973، التقى إسماعيل كيسنجر في محاولة لاستكشاف إمكانية التوصل إلى تسوية، لكن هذه الاتصالات لم تؤد إلى تغيير جوهري قبل الحرب.
من هذا المنطلق، لم يكن الخيار العسكري منفصلا عن الهدف السياسي. فقد سعت مصر إلى تغيير بيئة تفاوضية ظلت جامدة منذ عام 1967، وإثبات أن استمرار الاحتلال لا يعني بالضرورة استمرار الاستقرار. وأدت العمليات العسكرية بالفعل إلى إعادة الصراع إلى صدارة الاهتمام الدولي.
دعم الحلفاء وحدود التحكم في التصعيد
مع استمرار العمليات العسكرية، أصبح دعم الأطراف الحليفة أحد أبرز مظاهر التنافس. فأعاد الاتحاد السوفيتي إمداد مصر وسوريا بالأسلحة، بينما بدأت الولايات المتحدة تنفيذ جسر جوي واسع لتعويض الخسائر الإسرائيلية، ووصلت الإمدادات الأمريكية بصورة مكثفة إلى إسرائيل في منتصف أكتوبر 1973.
لم يكن الاتحاد السوفيتي مستعدا لقبول هزيمة واسعة لمصر وسوريا قد تضعف موقعه في الشرق الأوسط، في حين لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لقبول هزيمة إسرائيل أو تراجع قدرتها العسكرية.
لذلك، ارتبط الدعم العسكري بمسألة أوسع تتعلق بمصداقية الالتزامات تجاه الحلفاء. فأي تراجع ملحوظ من جانب إحدى القوتين عن مساندة الطرف المرتبط بها كان من شأنه أن يحمل انعكاسات تمتد إلى صورة القوة الدولية ومدى موثوقيتها.
في الوقت نفسه، كانت لهذه الالتزامات حدود واضحة. فقد سعت واشنطن وموسكو إلى دعم حلفائهما دون الوصول إلى مشاركة عسكرية مباشرة قد تنقل الأزمة إلى مواجهة بين القوتين.
وتكتسب الحالة المصرية أهمية خاصة هنا. فعلى الرغم من اعتماد القوات المسلحة المصرية بصورة واسعة على السلاح السوفيتي، لم تكن الاستراتيجية المصرية مجرد امتداد للسياسة السوفيتية. بل عكست الخطوات التي اتخذتها القاهرة قبل الحرب، وفي مقدمتها تقليص الوجود العسكري السوفيتي ومحاولة فتح قناة اتصال مع واشنطن، سعيا لتوسيع هامش الحركة المصرية.
أزمة وقف إطلاق النار والتصعيد بين القوتين
مثلت أزمة وقف إطلاق النار المرحلة الأكثر حساسية في التفاعل الأمريكي السوفيتي. فمع تطور الموقف على الجبهة المصرية، وعبور القوات الإسرائيلية إلى غرب قناة السويس ثم حصار الجيش الثالث المصري، لم تعد الأزمة تقتصر على دعم الأطراف، بل أصبحت مرتبطة بشروط إنهاء القتال.
وفي 22 أكتوبر 1973، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 338، الذي دعا إلى وقف جميع الأعمال العسكرية خلال اثنتي عشرة ساعة، والبدء في تنفيذ القرار رقم 242، والدخول في مفاوضات تهدف إلى إقامة سلام عادل ودائم.
لكن القتال لم يتوقف بصورة مستقرة. لذلك أصدر مجلس الأمن القرار رقم 339 في 23 أكتوبر، مؤكدا وقف الأعمال العسكرية، وداعيا القوات إلى العودة إلى المواقع التي كانت تحتلها عند بدء سريان وقف إطلاق النار، إلى جانب إرسال مراقبين تابعين للأمم المتحدة.
ومع استمرار العمليات، ازداد القلق السوفيتي، خاصة مع تدهور وضع الجيش الثالث. وبلغت الأزمة ذروتها ليلة 24 و25 أكتوبر، عندما اقترح الزعيم السوفيتي إرسال وحدات عسكرية أمريكية وسوفيتية بصورة مشتركة إلى مصر لضمان تنفيذ وقف إطلاق النار، وأشار إلى إمكانية بحث اتخاذ خطوات منفردة إذا تعذر التحرك المشترك.
وتعاملت واشنطن مع الرسالة باعتبارها مؤشرا على احتمال ارتفاع مستوى التدخل السوفيتي، وردت برفع حالة الاستعداد القتالي لقواتها إلى درجة متقدمة. واستهدفت هذه الخطوة إرسال إشارة واضحة إلى موسكو بشأن خطورة الانتقال إلى تدخل عسكري منفرد، وليس بدء مواجهة عسكرية مع الاتحاد السوفيتي.
آليات احتواء الأزمة
اعتمد احتواء التصعيد خلال الحرب على ثلاث آليات عملت بصورة متداخلة: الردع، والاتصالات الدبلوماسية، وتوظيف الأمم المتحدة.
تمثلت الآلية الأولى في استخدام الأدوات العسكرية لإرسال إشارات بشأن حدود التحرك المقبول. أما الآلية الثانية، فتمثلت في استمرار قنوات الاتصال بين واشنطن وموسكو حتى خلال أكثر مراحل التوتر حساسية، سواء عبر الرسائل المباشرة بين نيكسون وبريجنيف أو من خلال الاتصالات بين كيسنجر والسفير السوفيتي أناتولي دوبرينين.
أما الآلية الثالثة، فتمثلت في دور الأمم المتحدة. فبعد القرارين 338 و339، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 340 في 25 أكتوبر 1973، مطالبا بالالتزام الفوري بوقف إطلاق النار، وقرر إنشاء قوة طوارئ تابعة للأمم المتحدة تضم قوات من دول غير الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. ثم جاء القرار رقم 341 في 27 أكتوبر في إطار استكمال الترتيبات المتعلقة بقوة الطوارئ الدولية.
من إدارة الحرب إلى التنافس على مسار التسوية
لم يؤد وقف العمليات العسكرية إلى إنهاء التنافس في الشرق الأوسط، بل غير مجاله. فبعد أن تمحور حول دعم الحلفاء وضبط حدود التصعيد، انتقل تدريجيا إلى التأثير في مسار التسوية.
وكان القرار 338 نفسه يحمل بداية هذا التحول، بعدما ربط وقف إطلاق النار ببدء المفاوضات من أجل الوصول إلى تسوية سياسية.
في المرحلة الأولى، ظل التعاون الأمريكي السوفيتي حاضرا. فقد كان التفاهم بين الطرفين عنصرا أساسيا في الوصول إلى وقف إطلاق النار، وشاركا في رعاية مؤتمر جنيف للسلام الذي افتتح في ديسمبر 1973.
لكن المرحلة التالية كشفت عن تحول تدريجي. فقد توسع الدور الأمريكي من خلال جولات التفاوض التي قادها وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر بين مصر وإسرائيل، والتي عرفت بالدبلوماسية المكوكية. وأصبح كيسنجر يؤدي دورا مركزيا في المفاوضات الخاصة بفصل القوات، والتي انتهت إلى اتفاق فصل القوات في 18 يناير 1974، الذي نظم إعادة انتشار القوات على جانبي قناة السويس تحت إشراف قوة الطوارئ الدولية.
ولم تنتقل مصر ببساطة من الاعتماد على الاتحاد السوفيتي إلى الاعتماد على الولايات المتحدة، بل سعت إلى استخدام التغيير الذي أحدثته الحرب في حسابات القوتين لتوسيع هامش حركتها وتحسين موقعها التفاوضي. واستفادت مصر من الدعم العسكري السوفيتي في بناء قدراتها وإدارة الحرب، لكنها أدركت في مرحلة التسوية أن واشنطن تمتلك أدوات تأثير على إسرائيل لا تمتلكها موسكو بالدرجة نفسها.
وبذلك، أصبح التنافس بعد أكتوبر يدور حول القدرة على تحويل النفوذ إلى دور سياسي داخل عملية التسوية.
