قالت الدكتورة رانيا فوزي، الباحثة في الشؤون الدولية، إن انتصارات حرب أكتوبر 1973 لا يمكن تقييمها فقط من خلال النظر إلى خريطة التحركات العسكرية في الأيام الأخيرة من الحرب، وإنما يجب النظر أيضًا إلى الأهداف التي وضعتها القيادة المصرية للحرب، وما حققته على المستويين العسكري والاستراتيجي، فضلًا عن حالة الصدمة التي أصابت المؤسسة السياسية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية.

رانيا فوزي: الوصول إلى الكيلو 101 لا يعني أن إسرائيل حققت أهداف الحرب

وأوضحت الدكتورة رانيا فوزي في تصريح خاص لـ«خمسة سياسة»، أن الحديث الإسرائيلي المتكرر عن وصول القوات الإسرائيلية إلى مسافة 101 كيلومترًا من القاهرة، باعتباره دليلًا على الانتصار في حرب أكتوبر، يتجاهل طبيعة الحرب وأهدافها الأساسية، مشيرة إلى أن القوات المصرية نجحت في عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف وإقامة رؤوس كباري على الضفة الشرقية للقناة، وهو ما شكّل تحولًا عسكريًا واستراتيجيًا كبيرًا بعد هزيمة 1967.

وأضافت أن القوات الإسرائيلية وصلت بالفعل في المرحلة الأخيرة من الحرب إلى مواقع على الضفة الغربية للقناة، على مسافة نحو 101 كيلومتر من القاهرة، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن إسرائيل فوجئت بالهجوم المصري السوري، وأن القوات المصرية نجحت في تحقيق هدف العبور واستعادة جزء من الأراضي المحتلة وفرض واقع استراتيجي جديد مهّد لاحقًا لمسار استعادة سيناء. وتشير دراسات إسرائيلية إلى أن نهاية الحرب تركت المؤسسة الإسرائيلية أمام صدمة عسكرية وسياسية عميقة رغم نجاح الجيش الإسرائيلي في استعادة زمام المبادرة في المرحلة الأخيرة.

«الحرب والوعي».. معركة لم تتوقف عند ساحات القتال

وأكدت الباحثة في الشؤون الدولية أن حرب أكتوبر لم تكن معركة عسكرية فقط، وإنما كانت أيضًا معركة وعي وإرادة، موضحة أن نجاح الدولة المصرية في كسر الصورة التي ترسخت بعد حرب يونيو 1967 كان في حد ذاته إنجازًا استراتيجيًا بالغ الأهمية.

وأشارت إلى أن إسرائيل دخلت حرب أكتوبر وهي تعتمد على صورة ذهنية تقوم على تفوقها العسكري والاستخباراتي، إلا أن الساعات الأولى للحرب أسقطت جزءًا كبيرًا من هذه الصورة، بعدما تمكنت القوات المصرية من تنفيذ عملية العبور وتحقيق عنصر المفاجأة الاستراتيجية.

ولفتت رانيا فوزي إلى أن أهمية أكتوبر لا ترتبط فقط بما جرى على خطوط القتال، وإنما بما أحدثته الحرب من تغيير في الحسابات السياسية والاستراتيجية، وصولًا إلى مفاوضات فض الاشتباك ثم المسار الذي انتهى باستعادة سيناء المصرية.

شهادات إسرائيلية.. صدمة «يوم الغفران» تكشف حجم المفاجأة

وفي السياق ذاته، قالت رانيا فوزي إن شهادات إسرائيلية عديدة بعد الحرب عكست حجم الصدمة التي أصابت المجتمع والمؤسسة العسكرية في إسرائيل، لافتة إلى أن بعض الكتاب والمحللين الإسرائيليين تعاملوا مع حرب أكتوبر باعتبارها نقطة تحول أنهت حالة الغرور العسكري التي أعقبت انتصار 1967.

وأوضحت أن بعض القراءات الإسرائيلية نفسها أقرت بأن القيادة المصرية، وعلى رأسها الرئيس الراحل أنور السادات، نجحت في تغيير قواعد اللعبة، إذ لم يكن الهدف المصري خوض حرب شاملة لتدمير إسرائيل، وإنما كسر حالة الجمود وفرض واقع جديد يسمح باستعادة الأرض عبر مزيج من العمل العسكري والسياسي.

وتابعت أن هذا المعنى مهم عند تقييم نتيجة الحرب؛ فالحرب لا تُقاس فقط بمدى تقدم القوات على الأرض في نهاية العمليات، وإنما أيضًا بمدى تحقيق كل طرف للأهداف التي دخل الحرب من أجلها.

أشرف مروان.. من «عميل إسرائيلي» إلى لغز استخباراتي كبير

وانتقلت الباحثة إلى قضية أشرف مروان، مؤكدة أن الرواية الخاصة به ظلت لعقود واحدة من أكثر الملفات الاستخباراتية إثارة للجدل بين مصر وإسرائيل.

وقالت إن أشرف مروان كان يمتلك وصولًا استثنائيًا إلى دوائر صنع القرار المصرية، وإن جهاز الموساد اعتبره لسنوات مصدرًا بالغ الأهمية، بينما ظهرت لاحقًا روايات مضادة ترى أنه كان جزءًا من عملية خداع استراتيجي مصرية.

وأضافت أن ما يلفت الانتباه هو أن إسرائيل نفسها كشفت خلال السنوات الأخيرة عن وثائق ومواد استخباراتية مرتبطة بمروان، كما ظهرت تحقيقات إسرائيلية حديثة ذهبت إلى أنه ربما كان يعمل ضمن عملية خداع مصرية هدفت إلى إرباك أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية قبل حرب أكتوبر.

وأشارت إلى أن مروان نقل بالفعل إلى الجانب الإسرائيلي معلومات وتحذيرات متعددة قبل الحرب، إلا أن طبيعة هذه المعلومات وتوقيتها ومدى صدقها أصبحت بعد الحرب جزءًا من واحدة من أعقد قضايا العمل الاستخباراتي في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.

«تحذيرات مروان».. كيف ساهمت الخدعة في إرباك إسرائيل؟

وأوضحت رانيا فوزي أن إحدى أهم النقاط في هذا الملف تتمثل في التحذيرات التي تلقاها الجانب الإسرائيلي قبل الحرب، والتي تضمنت إنذارات لمواعيد مختلفة لم تتحقق، الأمر الذي ساهم في خلق حالة من التردد والشك داخل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.

وبحسب مصادر إسرائيلية، تلقى الموساد تحذيرًا حاسمًا من مروان عشية الحرب، إلا أن التقدير الإسرائيلي أخطأ في تحديد توقيت الهجوم، إذ بدأ الهجوم المصري السوري في الثانية ظهرًا يوم 6 أكتوبر 1973، بينما كانت التقديرات الإسرائيلية تتوقع توقيتًا لاحقًا.

وأكدت الباحثة أن أهمية هذه الواقعة لا تكمن فقط في المعلومات التي نقلها مروان، وإنما في قدرة الخداع الاستراتيجي المصري على التأثير في طريقة قراءة إسرائيل للمعلومات، وهو ما جعل المؤسسة الاستخباراتية الإسرائيلية تدخل الحرب وهي تعاني من خلل واضح في تقدير نوايا وتوقيت الهجوم.

أكتوبر.. انتصار عسكري غيّر المعادلة السياسية

واختتمت رانيا فوزي تصريحها لـ«خمسة سياسة» بالتأكيد على أن حرب أكتوبر تظل واحدة من أهم الحروب التي أثبتت أن التفوق العسكري وحده لا يضمن الانتصار السياسي، وأن عنصر المفاجأة والتخطيط والخداع الاستراتيجي والقدرة على إدارة المعركة سياسيًا يمكن أن تغير شكل الصراع بأكمله.

وأضافت أن وصول القوات الإسرائيلية إلى الكيلو 101 في المرحلة الأخيرة من الحرب لا يمكن استخدامه منفردًا لإلغاء نتائج العبور المصري، كما أن تقييم أكتوبر بصورة موضوعية يجب أن ينظر إلى الحرب باعتبارها سلسلة متكاملة من العمليات العسكرية والاستخباراتية والسياسية التي انتهت بتغيير المعادلة وفتح الطريق أمام استعادة سيناء المصرية.

وشددت على أن القيمة الأهم لانتصار أكتوبر تتمثل في أنه أعاد بناء الثقة المصرية والعربية، وأسقط الاعتقاد بأن نتائج عام 1967 تمثل واقعًا دائمًا لا يمكن تغييره، وأثبت أن التخطيط الاستراتيجي وإدارة المعلومات والخداع والمفاجأة يمكن أن تكون عوامل حاسمة في مواجهة خصم يمتلك تفوقًا عسكريًا واستخباراتيًا كبيرًا.