تتجه القاهرة الكبرى إلى التوسع في زراعة الأشجار وزيادة المساحات الخضراء، ضمن خطة تستهدف تحسين البيئة الحضرية، والحد من التلوث، وتوفير الظلال، واستغلال الأراضي والمساحات غير المستغلة في إنشاء حدائق ومتنزهات تخدم المواطنين. لكن نجاح المشروع لا يتوقف على أعداد الأشجار التي تتم زراعتها، بل يرتبط أيضًا بقدرة الجهات المعنية على توفير مياه الري، وصيانة الزراعات، وضمان استمرار الأشجار ونموها على المدى الطويل.
وفي السابع والعشرين من سبتمبر عام 2026، تابع الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، الموقف التنفيذي لمشروع «تخضير القاهرة الكبرى»، بمشاركة الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، والمهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، والدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، ومسؤولي المكاتب الاستشارية. وأكدت الحكومة أهمية تحويل الأراضي والمساحات الخالية وغير المستغلة، بعد إخلائها، إلى حدائق ومسطحات خضراء، والتوسع في التشجير بالمحاور والطرق الرئيسية والجزر الوسطى ومداخل المدن، بما يسهم في تحسين جودة الحياة وزيادة نصيب الفرد من المساحات الخضراء.
تخضير القاهرة.. أعداد الأشجار والمستهدفات المعلنة
بحسب البيانات التي أعلنتها محافظة القاهرة في السابع والعشرين من سبتمبر عام 2026، بدأت المحافظة تنفيذ خطة التشجير بالتعاون مع مكتب استشاري متخصص، وجرى زراعة أكثر من ثلاثة آلاف شجرة، إلى جانب نحو سبعمائة ألف من الشجيرات والنباتات في عدد من المحاور والطرق والأراضي الفضاء.
وتستهدف المحافظة زراعة ستين ألف شجرة خلال العام، بواقع لا يقل عن ألف وخمسمائة شجرة في كل حي، وفقًا لمساحته وتوافر المواقع المناسبة للزراعة، فضلًا عن زراعة ثمانمائة ألف من النباتات والشجيرات، ضمن مستهدف إجمالي يصل إلى مليون نبتة.
وتتضمن الخطة اختيار أنواع نباتية تتناسب مع طبيعة الأحياء والظروف المناخية، مع التركيز على الأشجار التي توفر الظلال وتتحمل درجات الحرارة وتحتاج إلى كميات أقل من المياه. وتشمل الأنواع التي ذكرتها المحافظة الأكاسيا والكايا وخف الجمل والبونسيانا والخيار شمبر، إلى جانب أنواع أخرى يجري اختيارها وفقًا لملاءمتها لكل موقع.
ولا تقتصر الخطة على زيادة أعداد الأشجار، إذ أكد محافظ القاهرة أن الهدف هو إنشاء منظومة متكاملة للتشجير والتنسيق الحضري، تعتمد على التخطيط العلمي، وحسن اختيار النباتات، وكفاءة استخدام المياه، وخفض تكاليف التشغيل والصيانة على المدى الطويل.
الطريق الدائري والمحاور الرئيسية في مقدمة مواقع التشجير
تشمل خطة تخضير القاهرة الكبرى التوسع في زراعة الأشجار بالمحاور والطرق الرئيسية، والاستفادة من المساحات المتاحة أسفل الكباري وفي الجزر الوسطى والمناطق غير المستغلة، إلى جانب دراسة تحويل بعض الأراضي التي يتم إخلاؤها إلى حدائق ومتنزهات عامة.
وخلال جولة رئيس مجلس الوزراء في سبتمبر، شملت المتابعة أعمال التشجير أسفل كوبري إبراهيم العرابي، المعروف سابقًا باسم كوبري العاشر، ومنطقة كوبري أثر النبي، والمنطقة الواقعة أسفل محور الحضارات.
كما تتابع المحافظة أعمال التشجير والتطوير في عدد من المناطق، من بينها السيدة نفيسة وشرق مدينة نصر، مع توجيهات بالاستفادة من المواقع التي تسمح طبيعتها بالزراعة، والحفاظ على الأشجار القائمة، وعدم تقليمها إلا للضرورة ووفقًا للمعايير الفنية.
وتستهدف هذه الأعمال تحسين المشهد الحضري، وتوفير الظلال، وزيادة المساحات الخضراء داخل المناطق العمرانية، مع مراعاة طبيعة كل موقع ومدى ملاءمته للزراعة، حتى لا تتعارض أعمال التشجير مع شبكات المرافق أو حركة المشاة والخدمات المحيطة.
مياه الري والصيانة.. الاختبار الحقيقي لاستدامة الأشجار
يمثل توفير مياه الري أحد أبرز الملفات المرتبطة باستدامة مشروع تخضير القاهرة الكبرى، خصوصًا مع التوسع في زراعة الأشجار والشجيرات داخل مناطق حضرية واسعة. ولذلك تبرز أهمية التوسع في استخدام أساليب الري التي ترشد استهلاك المياه، ودراسة الاستفادة من مياه الصرف الصحي المعالجة في المواقع التي تسمح بذلك، وفق الضوابط الفنية والبيئية المعتمدة.
وكانت محافظة القاهرة قد أكدت، في بياناتها بشأن المبادرة، ضرورة اختيار النباتات التي تتناسب مع أساليب الري المستدامة، مع وضع آليات لصيانة الأشجار والحدائق بعد تنفيذ أعمال التشجير، حتى لا تتحول المبادرة إلى نشاط مؤقت ينتهي بمجرد الانتهاء من الزراعة.
ويحتاج ذلك إلى تحديد مسؤوليات الجهات القائمة على الري والصيانة، وتوفير الموارد اللازمة لمتابعة الأشجار، والتعامل مع الآفات، واستبدال النباتات التي لا تنمو، إلى جانب التأكد من استمرار وصول المياه إلى المواقع المزروعة.
كما أن اختيار نوع الشجرة لا يقل أهمية عن توفير المياه؛ إذ يجب أن يتناسب مع طبيعة التربة والمساحة المتاحة والظروف المناخية، وأن يحقق فائدة بيئية فعلية دون أن يؤدي إلى زيادة أعباء الصيانة أو استهلاك المياه بصورة يصعب استمرارها.
زراعة جديدة والحفاظ على الأشجار القائمة
يتزامن الإعلان عن خطة تخضير القاهرة مع استمرار النقاش حول التعامل مع الأشجار القائمة خلال مشروعات تطوير الطرق وتوسعة المحاور. وأشارت تغطية صحفية نشرتها شبكة «سي إن إن» بالعربية في الثامن من سبتمبر عام 2026 إلى وجود انتقادات بشأن إزالة بعض الأشجار خلال مشروعات التطوير، بالتوازي مع إعلان الحكومة خطتها للتوسع في المساحات الخضراء.
ويطرح هذا النقاش أهمية الربط بين زراعة أشجار جديدة والحفاظ على الأشجار المعمرة القائمة، لأن زيادة أعداد الزراعات الجديدة لا تعني بالضرورة تعويض الفوائد البيئية التي توفرها أشجار كبيرة ظلت لسنوات طويلة.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى توضيح المعايير التي تحكم التعامل مع الأشجار أثناء تنفيذ المشروعات، ومدى دراسة البدائل التي تسمح بالحفاظ عليها، إلى جانب إعلان بيانات واضحة عن الأشجار التي تتم زراعتها أو نقلها أو إزالتها، وأسباب اتخاذ هذه الإجراءات عند حدوثها.
ويمثل نشر المعلومات المتعلقة بأعمال التشجير والحفاظ على الأشجار القائمة أحد العناصر التي تساعد على تعزيز الثقة في المشروع، وتتيح للمواطنين متابعة نتائجه بصورة موضوعية.
كيف يمكن قياس نجاح خطة تخضير القاهرة الكبرى؟
لا يكفي تقييم المشروع من خلال عدد الأشجار والنباتات التي تمت زراعتها، بل يحتاج إلى مؤشرات دورية تكشف مدى تحقق أهدافه البيئية. ومن أبرز هذه المؤشرات نسبة بقاء الأشجار بعد الزراعة، والمساحات الخضراء التي أضيفت فعليًا، ومعدلات استهلاك المياه، وتكاليف الري والصيانة، ومدى توزيع المشروعات بين الأحياء المختلفة.
كما تبرز أهمية إعطاء الأولوية للمناطق التي تعاني نقص المساحات الخضراء وارتفاع الكثافات السكانية والتلوث المروري، بما يضمن توجيه أعمال التشجير إلى المواقع الأكثر احتياجًا، بدلًا من التركيز على الطرق الرئيسية وحدها.
ويمكن أن تسهم مشاركة الجمعيات الأهلية والمجتمع المدني والمواطنين وأصحاب المحال وطلاب المدارس والجامعات في حماية الأشجار ومتابعة حالتها، شريطة وجود تنسيق واضح مع الأجهزة التنفيذية وتحديد مسؤوليات الرعاية والصيانة.
وتظل استدامة المشروع مرتبطة بوجود خطة متكاملة تشمل اختيار الأنواع المناسبة، وتوفير مياه الري، وتأمين التمويل اللازم للصيانة، والحفاظ على الأشجار القائمة، ونشر بيانات دورية عن معدلات التنفيذ والنتائج المحققة.
تخضير القاهرة الكبرى.. من مستهدفات الزراعة إلى نتائج ملموسة
تمثل خطة تخضير القاهرة الكبرى فرصة لزيادة المساحات الخضراء وتحسين البيئة الحضرية وتوفير متنفسات جديدة للسكان. لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب استمرار العمل بعد زراعة الأشجار، من خلال متابعة نموها، وضمان حصولها على الرعاية اللازمة، وقياس أثر المشروع على البيئة وجودة الحياة.
وبين المستهدفات المعلنة والتحديات المرتبطة بالمياه والصيانة والحفاظ على الأشجار القائمة، يبقى نجاح الخطة مرهونًا بتحويل أعمال التشجير إلى منظومة مستدامة، تكون نتائجها قابلة للقياس والمتابعة، وتحقق استفادة بيئية حقيقية لسكان القاهرة الكبرى.
