منذ أن وقفت كوكب الشرق أم كلثوم على خشبات القاهرة، وأصبح صوتها جزءًا من وجدان المصريين والعرب، أدركت مصر أن الموسيقى ليست مجرد وسيلة للترفيه، وإنما ذاكرة وهوية وجسر يصل الماضي بالحاضر.

ففي مصر، ارتبطت لحظات الفرح والحزن والحب بصوت المطربين وألحان الموسيقيين، وظلت الأغنية العربية على مدار عقود أحد أهم مكونات الشخصية الثقافية المصرية. ومن هنا، لم تعد دار الأوبرا المصرية مجرد مكان لاستضافة الحفلات، بل تحولت إلى مساحة تحتضن التراث الموسيقي وتعيد تقديمه للأجيال الجديدة.

ومن رحم هذه الرؤية، يواصل مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية مسيرته، بعدما أصبح واحدًا من أبرز الفعاليات الموسيقية العربية التي تجمع بين الحفاظ على التراث، وتقديم نجوم الطرب، واكتشاف المواهب، إلى جانب البحث الأكاديمي في قضايا الموسيقى العربية.

الدورة الـ34.. 11 ليلة جديدة على مسارح الأوبرا

تستعد دار الأوبرا المصرية لاستقبال فعاليات الدورة الرابعة والثلاثين من مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية، خلال الفترة من 20 إلى 30 أكتوبر 2026، في دورة تمتد على مدار 11 يومًا، وتضم 22 حفلًا غنائيًا وموسيقيًا بمشاركة نحو 70 فنانًا مصريًا وعربيًا.

وتقام الفعاليات على عدد من مسارح الأوبرا، من بينها المسرح الكبير، والمسرح الصغير، ومعهد الموسيقى العربية، إلى جانب مسرح سيد درويش بالإسكندرية، بما يمنح المهرجان مساحة أوسع لاستقبال جمهوره وتقديم ألوان متعددة من الموسيقى والغناء العربي.

وفي هذه الدورة، قررت إدارة المهرجان إهداء الفعاليات إلى روح الفنان هاني شاكر، تقديرًا لمسيرته الفنية وإسهاماته في الأغنية العربية، فيما تتولى إدارة المهرجان فنيًا قيادة المايسترو محمد الموجي، ويعاونه المايسترو مصطفى حلمي.

ليلة الافتتاح.. تحية إلى هاني شاكر

وتحمل ليلة الافتتاح، المقرر إقامتها في 20 أكتوبر، اسم هاني شاكر، حيث يشارك في إحيائها عدد من نجوم الغناء، من بينهم نيفين رجب ونادية مصطفى ونجوم الأوبرا، إلى جانب الفنان محمد ثروت وفق البرنامج المعلن، بقيادة المايسترو مصطفى حلمي.

ولا تتوقف فكرة التكريم عند ليلة الافتتاح، إذ اختارت إدارة المهرجان أن تحمل كل ليلة اسم أحد رموز الموسيقى والغناء العربي، في محاولة لربط الجمهور الحالي بأسماء صنعت وجدان أجيال متعاقبة.

من بليغ حمدي إلى محمد عبد الوهاب.. ليالي بأسماء العمالقة

وعلى مدار ليالي المهرجان، تتوالى الاحتفاءات بعدد من كبار الملحنين والموسيقيين، حيث يشهد البرنامج ليالي تحمل أسماء بليغ حمدي، كمال الطويل، محمد الموجي، رياض السنباطي، سيد درويش، منير مراد، محمد عبد الوهاب، عمر خيرت، محمد فوزي وفريد الأطرش.

وهكذا، لا تكتفي الدورة الجديدة بتقديم حفلات غنائية، وإنما تحول برنامجها إلى رحلة موسيقية عبر محطات مختلفة من تاريخ الأغنية العربية، من رواد التلحين والغناء في القرن العشرين، وصولًا إلى التجارب الموسيقية المعاصرة.

70 فنانًا و22 حفلًا.. مصر تجمع نجوم الطرب العربي

ويقدم المهرجان هذا العام برنامجًا فنيًا متنوعًا يضم نخبة من نجوم الغناء والموسيقى، بينهم عمر خيرت، آمال ماهر، مدحت صالح، محمد الحلو، نادية مصطفى، غادة رجب، خالد سليم، وريهام عبد الحكيم، إلى جانب عدد من الفنانين العرب.

ومن أبرز محطات البرنامج، ليلة الموسيقار عمر خيرت في 28 أكتوبر، بينما تعود آمال ماهر إلى جمهور المهرجان في 29 أكتوبر ضمن ليلة محمد فوزي، في حين تختتم حفلات المسرح الكبير في 30 أكتوبر بليلة فريد الأطرش، بمشاركة مدحت صالح وعازف البيانو عمرو سليم.

وبذلك، تظل القاهرة خلال أيام المهرجان ملتقى للأصوات المصرية والعربية، حيث تلتقي مدارس موسيقية وتجارب فنية مختلفة تحت مظلة واحدة.

مهرجان بدأ قبل 34 عامًا.. وحكاية تعود إلى رتيبة الحفني

وراء هذه الدورة قصة طويلة بدأت في 23 نوفمبر 1992، عندما انطلقت الدورة الأولى من مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية تحت إشراف الدكتورة الراحلة رتيبة الحفني، وافتتحها وزير الثقافة آنذاك فاروق حسني، بمشاركة 42 باحثًا من 13 دولة عربية وأجنبية.

ولم تكن فكرة المهرجان وليدة عام 1992 وحده؛ إذ سبقتها محاولات مبكرة لتوثيق الموسيقى العربية والحفاظ على تراثها. ففي عام 1932 انعقد مؤتمر للموسيقى العربية ارتبط باسم الموسيقار والباحث محمود أحمد الحفني، والد رتيبة الحفني، قبل أن تعود الفكرة بعد نحو ستة عقود في صورة مهرجان ومؤتمر للموسيقى العربية.

ومنذ انطلاقه، لم يقتصر المهرجان على الحفلات، وإنما ارتبط بمؤتمر علمي يبحث في قضايا الموسيقى العربية، إلى جانب الاهتمام بالتراث واكتشاف المواهب الجديدة وإتاحة الفرصة أمام الأجيال الشابة للتعرف على رواد الموسيقى والغناء العربي.

ومع مرور السنوات، أصبحت مسابقات المهرجان جزءًا من هويته؛ فشهدت دوراته مسابقات في التخت الشرقي، ثم مسابقات في الارتجال والتقاسيم على الآلات الموسيقية العربية، لتتسع بذلك رسالته من الاحتفاء بالماضي إلى صناعة مساحة للمواهب الجديدة.

المؤتمر العلمي.. الموسيقى من خشبة المسرح إلى قاعات البحث

ولا تنفصل الموسيقى في هذا المهرجان عن البحث العلمي؛ فالدورة الرابعة والثلاثون تتضمن مؤتمرًا علميًا مصاحبًا يشارك فيه 35 بحثًا، بما يعكس استمرار الجانب الأكاديمي الذي رافق المهرجان منذ بدايته.

كما تتضمن الدورة مسابقات لاكتشاف المواهب، من بينها مسابقة الدكتورة رتيبة الحفني للغناء العربي للشباب، ومسابقة العزف على آلة العود، بإجمالي جوائز يصل إلى 180 ألف جنيه.

وهنا تتضح فلسفة المهرجان بصورة أكبر؛ فهو لا يريد للتراث أن يبقى حبيس الذاكرة، وإنما يسعى إلى نقله من جيل إلى جيل، عبر المسرح، والبحث، والمسابقات، والتكريم.

34 دورة.. والرسالة واحدة

على مدار أكثر من ثلاثة عقود، تغيرت أسماء المطربين، وتطورت تقنيات العرض، وتبدلت الأذواق الموسيقية، لكن بقيت الفكرة الأساسية حاضرة: الحفاظ على الموسيقى العربية بوصفها جزءًا من الذاكرة الثقافية، وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة دون قطع الصلة بجذورها.

ومن أم كلثوم وعبد الوهاب والسنباطي وبليغ وفريد الأطرش وسيد درويش، وصولًا إلى الأسماء التي تتصدر خشبات الأوبرا اليوم، تبدو رحلة مهرجان الموسيقى العربية وكأنها حوار مستمر بين زمنين؛ زمن صنع التراث، وزمن يحاول أن يحافظ عليه ويمنحه حياة جديدة.

وفي النهاية، لا يقدم المهرجان نفسه باعتباره مجموعة من الحفلات فحسب، وإنما باعتباره صورة من صور القاهرة الثقافية؛ مدينة احتفظت عبر عقود بمكانتها كإحدى أهم عواصم الفن العربي، وفتحت مسارحها للأصوات القادمة من مختلف أنحاء المنطقة.

إنها القاهرة التي لا تزال تغني، والأوبرا التي تفتح أبوابها كل عام للزمن الجميل، ومهرجان يثبت في دورته الرابعة والثلاثين أن الموسيقى حين تتحول إلى ذاكرة، لا تنتهي بانتهاء أصحابها، وإنما تبقى حاضرة ما دام هناك من يسمعها ويعيد غناءها.