من خدعة السكين التي جسدها أحمد زكي في فيلم «البيضة والحجر» إلى طاسة النار التي يلجأ إليها البعض لكشف السارق أو حسم النزاعات.. تفتح «البشعة» ملفًا شائكًا يجمع بين الموروثات الشعبية والدجل والشعوذة، ويطرح تساؤلات حول غياب الوعي ومخاطر الاحتكام إلى وسائل غير علمية بدلًا من القانون والقضاء.
في واحد من أشهر مشاهد فيلم «البيضة والحجر»، جسّد الفنان الراحل أحمد زكي شخصية «مستطاع»، مدرس الفلسفة الذي ضاقت به الظروف، فتحول إلى دجال يستغل مخاوف الناس وجهلهم لتحقيق مكاسب مادية. لم يكن مستطاع يمتلك قدرات خارقة أو سحرًا حقيقيًا، لكنه أدرك كيف يوظف الخوف والإيحاء النفسي لإقناع ضحاياه بصدق ما يفعله.
وفي مشهد السكين الشهير، استخدم مستطاع قطعة معدنية مسخنة على النار، وأوهم الحاضرين بأنها وسيلة لكشف الصادق من الكاذب، لتتحول رهبة النار إلى أداة للضغط النفسي وانتزاع الاعترافات.
وبعيدًا عن الشاشة، تستحضر ممارسة «البشعة» هذا المشهد بصورة تثير القلق؛ إذ يلجأ بعض الأشخاص إلى طقوس شعبية تقوم على تعريض اللسان لقطعة معدنية شديدة السخونة، بزعم التمييز بين الصادق والكاذب أو الكشف عن مرتكب السرقة. وهنا يصبح السؤال الأهم: كيف يمكن لوسيلة لا تستند إلى دليل علمي موثوق أن تتحول إلى أداة للفصل في اتهامات قد تمس سمعة الأفراد ومستقبل الأسر، وربما تدفع إلى خصومات يصعب احتواؤها؟
ما «البشعة»؟.. طاسة ساخنة تتحول إلى أداة مزعومة لكشف الحقيقة
تُعرف «البشعة» باعتبارها ممارسة عرفية شعبية تعتمد على استخدام قطعة معدنية، غالبًا ما تكون في شكل طاسة أو محماس قهوة، تُسخن على النار حتى تشتد حرارتها. وبعد ذلك، يُطلب من الشخص الخاضع للاختبار أن يلعق سطحها الساخن، وسط اعتقاد شائع لدى ممارسي هذه الطقوس بأن الشخص الصادق لن يتضرر لسانه، بينما ستظهر آثار الحرق على لسان الكاذب.
غير أن هذا الاعتقاد لا يستند إلى أساس علمي موثوق؛ فالتعرض لسطح معدني شديد السخونة قد يؤدي إلى حروق وإصابات في اللسان والأنسجة المحيطة بالفم، ولا توجد قاعدة طبية معتبرة تجعل سلامة اللسان أو إصابته دليلًا على الصدق أو الكذب.
ومن ثم، فإن تحويل الاستجابة الجسدية للحرارة إلى معيار للحكم على الأشخاص لا يكشف الحقيقة، بل يعرّض المشاركين لخطر الإصابة، فضلًا عن احتمالات الضغط النفسي والإكراه والتشهير.
وتثار أحيانًا ادعاءات بشأن استخدام مواد عازلة أو حيل عملية للتحكم في نتيجة الاختبار، أو منح أحد الأطراف نتيجة تخدم مصلحته مقابل المال. لكن إثبات استخدام هذه الأساليب في واقعة بعينها يتطلب أدلة وتحقيقًا، ولا يصح تعميمها على جميع الممارسين دون توثيق.
بين الدجل وادعاء كشف الغيب.. أين تقف الحقيقة؟
تعتمد خطورة «البشعة» على تقديم ممارسة غير علمية باعتبارها وسيلة مضمونة لكشف السارق أو فض النزاعات. فالمبشع، وفق التصور الذي تقوم عليه هذه الممارسة، يُقدَّم باعتباره قادرًا على تحديد الصادق من الكاذب من خلال اختبار النار، بينما لا توجد آلية علمية موثوقة تتيح له الوصول إلى هذه النتيجة.
ويزداد الأمر خطورة عندما تُحاط الممارسة بطقوس أو ادعاءات تتعلق بالقدرات الخارقة أو الاستعانة بالجن، بما يعزز اعتقاد بعض الأشخاص بأنهم أمام وسيلة تتجاوز قدرات البشر المعتادة.
وفي مثل هذه الحالات، يصبح من الضروري التمييز بين المعتقدات المتوارثة والحقائق القابلة للتحقق؛ فالاتهام لا يُثبت بالخوف أو الانطباعات أو الطقوس، وإنما بالأدلة والقرائن التي تخضع للفحص والتحقيق وفق الإجراءات القانونية.
كما أن استغلال حاجة الناس إلى معرفة الحقيقة، أو توظيف مخاوفهم لدفعهم إلى الخضوع لممارسة مؤذية، يثير تساؤلات أخلاقية وقانونية بشأن المسؤولية عن الأضرار التي قد تلحق بالأفراد نتيجة هذه الممارسات.
«البشعة» في ميزان الدين.. لا مكان للخرافة في إثبات الحقوق
من المنظور الإسلامي، تقوم العدالة على البينة والعدل وصيانة كرامة الإنسان، لا على الطقوس التي تُلحق الأذى بالأجساد أو تدّعي امتلاك وسائل خارقة لمعرفة ما خفي من الأمور.
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «لا يعذب بالنار إلا رب النار»، وهو ما يُستشهد به في بيان خطورة اتخاذ النار وسيلة للتعذيب والإيذاء. كما أن القاعدة القضائية المعروفة «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر» تؤكد أن الفصل في الخصومات له أصول وضوابط، وليس متروكًا لاختبارات شعبية لا تستند إلى دليل معتبر.
ومن هذا المنطلق، فإن اتخاذ البشعة وسيلة لإثبات التهم أو نفيها يتعارض مع مبادئ العدالة، ويطرح إشكاليات شرعية تتعلق بالإيذاء وادعاء معرفة الحقيقة بوسائل غير معتبرة.
أما ما يتعلق بنسبة فتاوى محددة إلى الأزهر الشريف أو دار الإفتاء المصرية، فينبغي الاستناد إلى نصوص رسمية موثقة عند نشرها، حتى لا تُنسب إلى المؤسستين مواقف أو عبارات دون التحقق من مصدرها.
فالاحتكام إلى الدين لا يعني التسليم بالخرافات، بل يقتضي التثبت، ورفض الظلم، وصيانة حقوق الناس من الاتهامات التي لا تقوم على دليل.
من طاسة النار إلى ساحات القضاء.. كيف تهدد البشعة استقرار المجتمع؟
لا تتوقف خطورة «البشعة» عند احتمال الإصابة بالحروق، وإنما تمتد إلى آثار اجتماعية قد تكون أكثر تعقيدًا. فعندما يُتهم شخص بالسرقة أو الخيانة أو غيرهما من الأفعال، ثم يُدفع إلى اختبار شعبي لإثبات براءته، يصبح عرضة للضغط النفسي والتشهير، حتى لو لم تثبت مسؤوليته عن الواقعة.
كذلك، قد تؤدي نتائج هذه الممارسات، التي لا تقوم على أسس علمية، إلى تصعيد الخلافات بين العائلات أو أبناء المجتمع الواحد، بدلًا من تسويتها بطرق عادلة ومحايدة.
وفي بعض الحالات، يمكن أن يتحول الاتهام إلى وصمة اجتماعية يصعب محوها، أو إلى شرارة لنزاع ممتد، خصوصًا إذا تعامل المحيطون بالشخص مع نتيجة الاختبار باعتبارها حكمًا نهائيًا لا يقبل النقاش.
وعليه، فإن انتشار مثل هذه الممارسات، متى ثبت وقوعه، لا يعكس مجرد التمسك بعادة قديمة، بل يكشف عن فجوة في الوعي القانوني والعلمي، وعن حاجة ملحة إلى تعزيز الثقة في مؤسسات الدولة وآليات التقاضي الرسمية.
فالعدالة لا تتحقق بإخضاع الإنسان للنار، وإنما بالتحقيق المحايد، وفحص الأدلة، وسماع أقوال الأطراف، واحترام حق كل شخص في الدفاع عن نفسه.
كم تبلغ تكلفة جلسة «البشعة»؟.. اتهامات بالاستغلال تحتاج إلى التحقق
تتداول بعض الروايات تقديرات بشأن مبالغ مالية يتقاضاها ممارسو البشعة مقابل عقد الجلسات، تتراوح بين 3 آلاف و15 ألف جنيه للجلسة الواحدة. غير أن هذه الأرقام تحتاج إلى مصادر موثوقة أو شهادات موثقة قبل اعتمادها باعتبارها أسعارًا ثابتة أو شائعة على نطاق واسع.
ومع ذلك، فإن تحويل الخوف من الاتهام إلى مصدر للكسب يثير مخاوف جدية، خاصة إذا اقترن بادعاء القدرة على كشف السارق أو تحديد المسؤول عن واقعة دون الاستناد إلى أدلة قابلة للفحص.
ومن هنا، تبرز أهمية التحقق من أي وقائع تتعلق بتحصيل الأموال مقابل هذه الممارسات، ورصد ما قد يصاحبها من خداع أو تهديد أو إكراه أو أضرار جسدية، مع إحالة الوقائع التي تتوافر بشأنها أدلة إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
الشرطة والنيابة والقضاء.. الطريق القانوني لكشف السرقات
في مواجهة هذه الممارسات، تظل مؤسسات الدولة المختصة هي المسار الصحيح للتعامل مع جرائم السرقة وسائر الاتهامات. فالشرطة تتولى جمع الاستدلالات وضبط الوقائع وفق القانون، بينما تباشر النيابة العامة التحقيقات، وتختص المحاكم بالفصل في القضايا وفق الأدلة والإجراءات المقررة.
ويتيح هذا المسار فحص الأدلة المادية، وسماع الشهود، والاستعانة بالخبراء عند الحاجة، مع ضمانات قانونية تحمي حقوق المتهمين والمجني عليهم.
أما اللجوء إلى البشعة، فلا يوفر ضمانًا للحقيقة، ولا يحقق العدالة، وقد يؤدي إلى الإضرار بأشخاص أبرياء أو تعقيد النزاعات القائمة.
لذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على رفضها اجتماعيًا أو دينيًا، بل يجب أن تمتد إلى التوعية بحقوق المواطنين، وتوضيح سبل الإبلاغ عن الجرائم، والتأكيد على أن إثبات الاتهامات من اختصاص الجهات المخولة قانونًا.
هل نحتاج إلى قرار رسمي لمواجهة البشعة؟
في ضوء المخاطر التي تثيرها هذه الممارسة، تبرز دعوات إلى تحرك مؤسسي من جانب وزارة الداخلية ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء المصرية ومجلس النواب، بهدف وضع حد للممارسات التي تنطوي على الإيذاء أو الاحتيال أو الإكراه، وتعزيز الوعي بمخاطر الاحتكام إلى وسائل غير علمية في فض النزاعات.
ويشمل هذا التحرك المقترح دراسة الأطر القانونية القائمة ومدى انطباقها على الوقائع المرتبطة بالبشعة، وتحديد المسؤوليات والعقوبات وفق القانون، بدلًا من افتراض وجود تجريم مستقل لها دون الرجوع إلى نص تشريعي واضح.
كما تبرز الحاجة إلى إطلاق حملات توعية في المساجد والمدارس ووسائل الإعلام، تشرح خطورة تعريض الإنسان للنار، وتفند الاعتقاد بأن الحروق يمكن أن تكشف الصدق أو الكذب، وتوضح أن اتهام الآخرين لا يجوز أن يتحول إلى مبرر للإيذاء أو التشهير.
ومن المهم كذلك تشجيع المواطنين على اللجوء إلى الجهات الرسمية عند وقوع السرقات أو النزاعات، وعدم الانسياق وراء الوعود التي يطلقها ممارسو الطقوس الشعبية بشأن كشف الحقيقة بوسائل خارقة.
من مشهد سينمائي إلى قضية مجتمعية.. آن الأوان لمواجهة الخرافة
قد يبدو مشهد السكين في فيلم «البيضة والحجر» مجرد لحظة سينمائية تكشف براعة شخصية «مستطاع» في استغلال مخاوف الآخرين، لكنه يكتسب دلالة أكثر خطورة عندما نستحضر ممارسات واقعية يُستخدم فيها الخوف من النار وسيلة لإجبار الأشخاص على إثبات براءتهم.
والفارق الجوهري أن السينما تعرض الخدعة لتكشف آلياتها، بينما قد تؤدي الممارسة الواقعية إلى إصابات جسدية واتهامات ظالمة وتفكك العلاقات الاجتماعية.
إن مواجهة البشعة تتطلب تكاتف المؤسسات الدينية والقانونية والتعليمية والإعلامية، والعمل على ترسيخ ثقافة تقوم على الدليل والعقل واحترام كرامة الإنسان، بدلًا من ترك المواطنين فريسة لممارسات لا تملك أساسًا علميًا موثوقًا.
فالعدالة لا تُستخرج من طاسة نار، ولا تُقاس بلسان احترق أو نجا من الحرق، وإنما تتحقق بالأدلة والتحقيق العادل وسيادة القانون. ومن هنا، فإن حماية المجتمع تبدأ بوقف الإيذاء، ومواجهة الدجل والاستغلال، وتوعية الناس بأن الطريق إلى الحقيقة يمر عبر مؤسسات العدالة، لا عبر خيام المشعوذين.
