ثمة أجيال لا تخسر أحلامها دفعة واحدة، بل تكتشف في كل مرحلة من عمرها أن عليها تأجيل شيء كانت تظن أنه أصبح قريبًا. تمر السنوات، وتتغير الظروف، وتظل بعض الأمنيات معلقة بين ما أردنا أن نكونه، وما سمحت لنا الحياة بأن نصبحه.
ربما تكون هذه هي الحكاية الأصدق لجيلٍ يقف اليوم في منتصف الثلاثينات أو الأربعينات ؛ جيل لم يعش التحولات الكبرى في مصر من بعيد، بل عاشها وهي تعيد تشكيل مستقبله مرة بعد أخرى.
بدأت ملامح وعيه وسط أحداث يناير 2011، ثم عاش اضطرابات وتحولات سياسية متلاحقة، وصولًا إلى أحداث يونيو 2013، وما تلاها من جهود لاستعادة الاستقرار وبناء الدولة. وبينما كان يحاول ترتيب أولوياته وصناعة مستقبله، وجد نفسه أمام تحديات اقتصادية متزايدة، ثم جائحة كورونا، وحروب وأزمات عالمية ألقت بظلالها على الاقتصاد وتكاليف المعيشة وفرص الاستقرار.
لم تكن هذه الأحداث مجرد عناوين في نشرات الأخبار؛ فقد انعكست على قرارات شخصية شديدة الخصوصية: شاب يؤجل زواجه، وآخر يؤخر حلم امتلاك منزل، وثالث يعيد حساباته المهنية، وآخرون يواصلون العمل والاجتهاد، لكنهم يجدون أنفسهم أبعد مما توقعوا عن الحياة التي خططوا لها.
المفارقة أن هذا الجيل لم يكن بالضرورة أقل طموحًا، لكنه اضطر مرات كثيرة إلى تغيير الطريق قبل أن يصل إلى وجهته.
وهنا تتجاوز الحكاية حدود الأفراد لتصبح سؤالًا اجتماعيًا وسياسيًا: ماذا يحدث حين تتوالى التحولات الكبرى في السنوات التي يفترض أن يبني فيها الإنسان أساس حياته؟ وكيف يمكن أن نخطط للمستقبل بثقة، بينما تتغير الحسابات من حولنا باستمرار؟
لا يمكن اختزال كل ما واجهه هذا الجيل في سبب واحد، أو تحميل مرحلة بعينها مسؤولية جميع التحديات؛ فهناك عوامل اقتصادية وإقليمية ودولية متشابكة، كما تختلف تجارب الأفراد وقدرتهم على تجاوز الأزمات. لكن من المهم أن نعترف بأن تراكم هذه التحولات جعل الاستقرار الشخصي أكثر صعوبة بالنسبة إلى قطاعات واسعة منه.
فبناء الدولة لا ينفصل عن بناء قدرة المواطن على الحياة داخلها. وقيمة الاستقرار لا تكتمل فقط في قوة المؤسسات والمشروعات، بل تظهر أيضًا في قدرة الإنسان على التخطيط، والعمل، وتكوين الأسرة، وتحقيق طموحاته دون أن يشعر بأن المستقبل دائمًا أبعد من إمكاناته.
هذا الجيل لا يحتاج إلى الشفقة، ولا إلى خطاب يطالبه بالصبر إلى ما لا نهاية. إنه يحتاج إلى فرص حقيقية، وإلى سياسات توسع مساحة الأمل، وإلى أن تصبح ثمار التنمية والإصلاح أكثر حضورًا في تفاصيل الحياة اليومية.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نختزل تجربته في الخسارة. فقد تعلم كيف يتكيف، وكيف يبدأ من جديد، وكيف يواصل السعي رغم تغير الظروف. وربما تأخرت بعض أحلامه، وربما تغيرت أحلام أخرى، لكن العمر لا يسير وفق جدول واحد، والنجاح ليس سباقًا يصل فيه الجميع إلى محطاته في التوقيت نفسه.
فليس كل ما تأخر قد ضاع، وربما تكون البدايات المتأخرة هي البدايات الأنضج والأكثر قدرة على الاستمرار. المهم ألا نتوقف عن المحاولة، وأن نواصل العمل والاجتهاد وتطوير أنفسنا، مهما تبدلت الظروف.
فالأحلام قد تتأجل، لكنها لا تسقط بالتقادم. وربما لا تأتي الحياة التي تمنيناها في موعدها، لكنها قد تحمل لنا بداية جديدة لم نكن نتوقعها، وفرصًا لم نكن نراها من قبل.
هذا الجيل الذي شهد تحولات بلاده، وتحمل نصيبه من أعبائها، لا يزال قادرًا على أن يصنع مستقبلًا أفضل لنفسه ولوطنه. وربما تكون رسالتنا اليوم أن الطريق، مهما طال، لا يعني أن الوصول أصبح مستحيلًا؛ فبعض الأحلام تحتاج إلى وقت أطول، وبعض البدايات تستحق أن نمنحها فرصة.
فما دام فينا سعيٌ وإرادة، تظل الحياة قادرة على أن تمنحنا بداية جديدة، وربما أجمل مما حلمنا به.
